إبهام، جعل منّي عاجزًا..

الأربعاء، العاشرة صباحًا:

شكوى سخيفة تتضاخم لتصبح أذىً حقيقيًا..
وحينما يتداعى عضو يتداعي سائر الجسم معه، حزب واحد ضدّي وضد واجباتي اليومية، وتر إبهامي في يدي اليُمنى تأثر والتهب بعد إهمالي بالضغط عليه بحمل ثقيل تنقلت به بالمطارات قبل أيام من الآن، الآن الإبهام نائم، غاضب، وفي كل مرة أوقظه، يلسعني و يكهربني، إمّا أصرخ أو تجدني أعض على شفتي، أمسح عليه وكأني أتأسف..ومع ذلك، لا يسامحني.
أستيقظ للعمل، أريد أن ألبس، يرفض، أمسك الفرشة أرفعها لأسناني، يرفض، أريد ربط حذائي، يرفض ويلسع بصعقة كهربائية مجنونة في كل مرة، حتى الآن تداعى عقلي وذراعي معه، أشعر بالعجز والتعب، لا أريد أن أذهب للعمل، لم أستطع أن أصنع إفطاري، فأخذت تفاحة، كانت ثقيلة أكثر من الازم، لا بأس يدي اليسرى ستقوم بالعمل! إبهامي اليمين يغار؟ يلسع و يلسع الآن بدون أن أحرّكه حتّى!
نجوت بأعجوبة هذا الصباح، متجهة للعمل بلباس العمل وبأسنان نظيفة وتفاحة. ماذا سأفعل هناك؟ كيف سأنجو بقية اليوم، لا أعلم..
أعلم أن علاجه سيأخذ وقته فأشكر الله أنه نهاية الأسبوع..
تافهة؟ إبهام فقط جعل مني تعيسة..
نحن لا نستطيع أن ندعّي المثالية، فحقيقةً بعض الأشياء الصغيرة تعرقل مهامنا الكبيرة، أو حتى مهامنا الروتينية ..
أحب أن أقول لكم أمران:
طريقي للمستشفى يأخذ نصف ساعة ، كتبت هذه المذكرة في كل المشوار لصعوبة الكتابة بيدٍ كهذه..
والأمر الآخر، أنا نادمة على كل هذه الشكوى منذ اللحظة التي دخلت فيها من بوابة الطواريء رأيت جلَبة لا أودّ أن أرهقكم بتفاصيلها، وبعد مروري الروتيني الصباحي بمرضاي .. إبهامي يضحك برقة وشفقة علي، يؤنبني أن كان ألطف بكثير مقارنة بما يحملون ..

الأربعاء، الواحدة ظهرًا:

كنت مؤمنة أني نادمة على شكواي عن وتر إبهامي في يدي اليمنى، حتى وقفت أمام العم ضيف الله بيدين عاجزتين عن المساهمة في إنقاذه وإنعاشه كما يفعل الجميع، صديقتي تمسك بيدي بقوة “تعالي، لا تترددي ولا تخافي” أُشير لها على ضعف يدي، بدون أن نتكلم، تفهم وتجري معهم..
العم ضيف الله، الستيني المصاب بسرطان القولون، ساءت حالته من البارحة تداعى جسده من بعد أمعاءه، لا أعرف عنه الكثير ولم أقابله إلّا مرتان، المرة الأخيرة كانت قبل ساعتان من إعلان وفاته المشؤوم، لا أعلم إن كان أحدكم سيصدقني، لكنّي رأيت الموت في عينيه، رأيت الخوف، الرجفة، الجرّاح وهذه عادة كثير من الأطباء ومع احترامي لعملهم ودورهم الكبير، لكن يفتقرون لكثير من الإنسانية والأدب مع المريض، قام بنزع غطاء السرير بقوة عن جسد ضيف الله الضعيف الهزيل ذا البشرة الصفراء، تظهر عورته قليلًا من خلف رداء المستشفى الأزرق الكئيب، التفتُ خلفي سريعًا وأغلق الستارة التي من المفترض أن تكون مغلقة قبل ذلك، لا أسمع ماذا يقولون ولم أعرف حالته جيدًا، كل ما أعرفه أنه مريض لونه أصفر وحالته ليست بجيدة، وأنا أنظر في عينيه وهو يحدق بعيناي، رجِفت رجفة غريبة، أحسست بالخوف بعد أن شممت الموت، بدأ الرجل بالرجفان أيضًا و بشدة، هو برد..؟ هي روحه تستعد للخروج؟ لا أعلم..
كل ما أردته هو أن أدفئه، نظرت إليهم، هم لا يحتاجون ليروا شيئًا فيه! لا زالوا يتناقشون، خفت أن يؤنبوني وأحيانًا تكون هوايتهم، ترددت كثيرًا أن أمد يدي وأغطي بدنه الهزيل، نظرت في عيني ضيف الله مرة أخرى، يرتجف بقوة، بكيت في داخلي بقوة، عجزه، عدم قدرته عالكلام واستسلامه، خطر في بالي “يا أفنان أنتي لا تريدين أن تندمي ان لم تفعلي شيء سخيف كهذا إن ذهب..” خفت من تأكدي من ذهابه ومن فكرتي المجنونة، جررت نفسي لجانب السرير، سحبت الفراش وغطيت قدميه إلى بطنه، رجعت لمكاني، وكما توقعت أخذ كبيرهم الذي علمهم السحر بالسخرية مني “هل تريدين أن تصابي بوباء كبدي؟” هو يعلم أني لن أصاب به من لحاف سرير، لكن أتفهم الإحتياطات الأساسية، وأفهم غضبه الغير مشروع، لكن وقتها قلت وتمنيت لو قلتها بصوت أعلى “الإنسانية فوق كل شيء” نظر إليّ ضيف الله شاكرًا، ابتسمت له من خلف قناع الوجه اللازم.. أتمنى أنها وصلت له..
خلف نفس القناع بعد ساعتين، كنت أبكيه، أمسك يدي الضعيفة، أنا لا أستطيع أن أضغط على كيس الأكسجين المثبت في فمه المفتوح بشكل مخيف، أنا أيضًا لا أستطيع أن أضم يداي لصدره وأضغط بقوة عليه لأساعد في تدفق قلبه وإن تسبب ذلك في كسر أحد ضلوعه. أمسك يدي وخلف قناعي أنظر لعينيه الجاحظتين للأعلى، منظر مهيب، بعد نداء “الكود بلو” الجميع يهرع للغرفة، كمامات وقفازات واستعداد تام! يبدأ الأول بالضغط بقوة على صدر المريض حتى يتعب، يُسلّم للآخر، يكمل العمل حتى يُرهق، تأتي صديقتي من بعدهم تفعل كل ما تستطيع، أرى قامتها القصيرة تطول بعد أن وقفت على أطراف أصابعها بجانب السرير، لا يوجد وقت لتعديل السرير لها، لا أصدق أنها كانت تضغط بكتفيها بقوة على يديها في منتصف صدره، وهي واقفة على أطراف أصابعها! متأكدة كتفاها لن يكونا بخير اليوم..لا أستطيع إلّا أن أكون فخورة بها..
ممرضتان يتناوبان على كيس الأكسجين في فمه، ممرضتان أخريتان بجانب ساعِده وحُقن الإبينيفرين تُدخل في وريده مباشرة للقلب، تتكرر الخطوات ويتأمل الجميع تحت أقنعتهم بعيون متألمة وقلوب وجِلة في شاشة تخطيط القلب، صفارات الأجهزة، ونداءات الزملاء لبعضهم وقت التبديل، الممرض ذو الذراع القوية والعرق في جبينه كان أطولهم مدة في الضغط على صدر ضيف الله وأكثرهم كفاءة، كنت أقول في نفسي الآن هو لا يندم على ساعاته في النادي، يا لها من ذراع..
بالتناوب يجتهدون وبالتناوب يستريحون..
أمسك يداي بقوة وأحمد الله أن وضعت الغطاء عليه في ذلك الوقت ..
فلو كانا ندمان، لكانا قتلاني..
٢٥ دقيقة مرت ..سلسلة من الضغط والأكسجين والإبينيفرين..
يأمر الطبيب أن نتحسس النبض، أن نقيس الضغط..كمؤشر نهائي لعملية الإنعاش..
الأمور كلها تقول.. توفّاه الله.
الجميع يُزيل الأقنعة، أنا متأكدة أنها ليست مرتهم الأولى ولكنهم كانوا يحملون ملامحي ولغة جسدي بالضبط أنا الضعيفة التي لم تشهد موقفًا كهذا من قبل.. الأعين الحزينة، المشية المتثاقلة، والهمهمات والدعوات الخافتة..
نرجع أنا وصديقتي حيث كنّا، مع الطبيب المسؤول
حيث كانت نهاية اليوم وكنّا نرتب الحالات المسؤول عنها فريقنا حتى نستعد لمساعدتهم غدًا مجددًا، توقفنا عند غرفة 6B “ضيف الله” وكنا نكتب”مراجعة العناية لنقله”، قبل أن يدعونا للإنعاش..
عندما رجع كل عصفور لعشه وكل نحلة لخليتها ورجعنا للعمل
أنا وصديقتي ننظر للطبيب وللورقة، يزيل سطر الغرفة 6B بخطين عريضين، “حسنًا بعده 6C” ويكمل الكتابة.
كان هذا بعد اعلان وفاته بدقيقتين.

 

 

 

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s