معزوفة الموجوعين..

ياني” عازفٌ بارعٌ كفاية لأن أخجل عن الحديث عنه ، العازف والمايسترو اليوناني الستيني، وفي الصف العاشر،المقعد العشرون، في منتصف تلك القاعة الكبيرة المظلمة مواجهة ذلك المسرح المهيب المضيء، ذهبت أنا وعقلي وقلبي وشعوري وجلسنا وحيدين في مقعدٍ واحد، قلبي كان مُتسارعًا، خائفًا مما سيفعل لشعوري، شعوري كان متوترًا لأن لا يُغيّب عقلي لمدة طويلة، فالكثير ليُنجز هذا الشهر، أما عقلي و على خلافهم، كان مستسلمًا غائبًا.. وترك للآخرين كل المجال في الحياة أمام ذلك البيانو الضخم، وفرقة الأوركسترا المجنونة..
ياني” كان مايسترو على غير العادة، لم يكن يقودهم بعصا صغيرة في طرف يده، بل بمفاتيح بيانو عن يمينه وشماله ومن أمامه
لم تكن لتستطيع أن تحسب عدد المفاتيح هناك..
يُعطينا ظهره تارة ووجهة تارة أُخرى، يشتاق لنا سريعًا.
كل الآلات كان لها حضورها القوي، حتى وأنا متعصبة للبيانو والكمان، أحببت في تلك الليلة البوق والجيتار وحتى الطبل..
تلك الآلات وحاكمها البيانو
الفرقة الثمانية و يرأسهم المايسترو “ياني
علموني أنه مهما اختلفت أشكالنا واستخداماتنا، نحن قطعة موسيقية واحدة، معزوفة طويلة لا تنتهي..
ومع ذلك “ياني” قرر أن يُعطي كل آلة حقها في وقت العرض
وكل فرد حقه بابتسامته ولغة جسده التشجيعية..
كان الضوء يُسلّط من أعلى المسرح على عازف الكمان، فيوجهه هذا المايسترو الأب الروحي لهم جميعًا بضربات على البيانو، ويدعمه بابتسامة عريضة ولغة جسد تقول له “اكمل وارجوك لا تنتهي”
يعزف بقوة ونشوة تكاد الأوتار أن تُقطع، ومع ذلك لا تفعل..
يعرّفنا “ياني” بصديقه في نهاية المقطوعة، نصفق جميعًا بحرارة وحُب،نحن لا نعرفه بقدره، لكننا نحبه، كلنا.
وينتقل للآخر في معزوفة أخرى، آلة أخرى وفرد آخر..
وأعطى لكل ذي حقٍ حقه، وحقّنا في لحظات التجلي والقفز في المشاعر لم يضيع أيضًا..
روحي كانت تسبح هنا وهناك، دموعي لم تعد تعرف أين تسكن، ضحكاتي علت في الأرجاء.. كالمجنونة في محاولة فاشلة للسيطرة على المشاعر داخليًا والشكل خارجيًا..
ياني وأحباءه ذهبوا بي لعوالم مستعدة لها، وأخرى لست كذلك..
في أحد المقطوعات بكيت كثيرًا..
نحن لا تُبكينا الموسيقى نفسها، يُبكينا ما تُظهره في دواخلنا وأعماقنا على السطح..
في تلك المعزوفة، “ياني” بالبيانو الضخم الكبير يعزف بخفة ومهارة، بتأني وروّية..
يقابله صاحب الكمان وبيد قويّة متزّنة يذهب بالعصا على كمانه على تلك الأوتار الرقيقة، كان واقفًا، فلا مجال للجلوس أمام معزوفة كتلك..
أخبرنا “ياني” باسم المعزوفة “إلى آخر لحظة” التي أُفضّلها كثيرًا ورؤيتي لها مباشرة على المسرح كان مبررًا لدموعي، لكن ما فعلته بي كان فوق تصوراتي..

كنت أتأمل تلك المفاتيح، وردّ قطعة الخشب تلك عليها
كنت أرى شخصين..
كان صوت البيانو فخمًا قويًا شامخًا مهما رقّت النوتات..
وكانت تلك القطعة الخشبية كائنٌ صادق نبيل حزينٌ بالفطرة..
كنت أرى العم صالح والعم عبدو في ذلك الحوار
تتجاوز أعمارهم الخمسين، عائلة وبيت وعمل، وأهداف ..
كانا متناغمان منسجمان حتى في أسوأ الحالات
الأول يقطن في جنوب البلاد والآخر خارجها..
كمعزوفة شرقية زُيّنت بلحنٍ غربي
جمعهما سقفٌ واحد، مسرحٌ واحد
كانا متشابهان في الإنهيار، العمان صالح وعبدو
مريضاي، تحت جناحٍ واحد ومرضٍ خبيثٍ واحد ..
علاقتي بالكَمان علاقة احتياج، فكلما أردت أن أحزن وأحب أن أمارس الحزن أحيانًا..وجدتني أسمعه. ووجدته متعلقًا بي..
على عكس البيانو الذي يصاحبني في كل أوقاتي الجيّدة منها والسيئة..
موسيقى الكمان تُذكرّني بـ”العم صالح” صوته كان حزينًا جدًا، كان مستسلمًا لكل شيء، محطمًا متألمًا.
لم أحتاج غير يومان أو أقل لأكسب ثقته، لأعرف مداخله والطريقة المُثلى لإسعاده، ولأنه معزوفة حزينة، كانت الإبتسامة فقط و “كيف أصبحت، ماذا أفطرت؟” كفيلة لتبقيه سعيدًا لآخر اليوم..
أصل الكمانِ شجرة، وصالح كان شجرة مثمرة زارتها حرب.
كان يُحبني بطريقة واضحة للجميع..
الجميع أصبح لا يسأل حتّى عن مستجدات حالته، فبالتأكيد أفنان تعرف.
الإهتمام كان جليّ من طرفي، في إصراري على الممرضات في أخذه على كرسي متحرك في جولة على الحديقة أو حتى في أسياب المستشفى وإلا فعلتها بنفسي.
و أيضًا في زيارتي له قبل نهاية العمل، لأجده نائمًا في كل مرة.
في الغرفة المجاورة، “العم عبدو” لم يكن إلّا كائنًا هزيلًا، صوته كان فخمًا وقويًا، لكنّه مكتوم جدًا..وكأنما حُبس بالداخل.
يشبه مقطوعة عُزفت بالمفاتيح البيضاء فقط على البيانو ..
كان هادئًا رزينًا..
عندما كان يعزف “ياني” على تلك المفاتيح، قلت في نفسي “ذلك الهدوء والإتزان، تلك الوقفات ، هذا العم عبدو
كان لا يبتسم كثيرًا، لكنه لم يكن عكِرًا أبدًا
كان فقط يريد أن يتأكد لمن يبتسم، أخذ وقتًا طويلًا ليثق بي،
علاقتي معه كانت علاقة ثقة، ثقة بيني وبين راعيه، ابنه البكِر.
ومن ثقة ابنه بي، أحبني الوالد وأخيرًا.
في كل مرة كنت أدخل لأشاهد ذلك المنظر الخلّاب، الابن البار يضع موسيقاه في أذنه ويلعب بقدم أباه، يمرّنها ويمسجّها..
لا أحب أن أقاطع تلك المعزوفة الأرقى!
عبدو لم يكن ليحب أي رعاية منّا، عزيزُ نفس، كثير السؤال و قليل الشكوى.
على عكس صالح الذي كان يثق ثقة عمياء وكلمته المعتادة عند كل ورقة اذن لتدخّل طبّي ما “انتوا أدرى” وكان يحب أن يُظهر امتنانه لنا، ولي خاصة، يردد أمام زملائي -فريقه الطبي- “لولا هذي البنت ما أقعد هنا أنا”
علِمت لاحقًا أن عبدو كان يعمل في مجال عسكري
و صالح في إدارة المستشفيات
ففهمت ذلك الإختلاف أكثر.

العم صالح كان مُتفائلًا كفاية ليطلب منّا ويصرّ على أنه بخير ويريد نهاية لمشواره هنا، فيذهب لبيته حيث ابنته التي لم ينجب سواها في سن مُتأخرة..
أما العم عبدو كان قويًا كفاية ليصدّق ويصْدُقنا أنه ميّت لا محالة و يأمرنا بفكه من هذا العذاب، هو فقط يريد أن يموت بسلام ..في بيته.
عندما جلست أغنّي وأغرّد بالحلول لمن يكبروني مكانة، اخبرني أحدهم أنه يتفق معي، وقال شيئًا مخيفًا اقشعر بدني منه..
“نحن هُنا نميتهم مرتين أفنان، هم كحلوى القطن الآن ومُتعرضين لرطوبة الجو، ماذا تعتقدين ستفعلين لتلك الحلوى وهي تذوب؟ لا شيء!”
لم تطل فترة التفكير والخضوع لرأيي في الأول، ورأيهم في الآخر..
رأيهم في الآخر العم عبدو كان ذلك الحل الأفضل لحالته وكما يتمنى، فقط “رعاية منزلية”.
” فلتمهلنا يوم أو يومان لننهي أوراقك” أخبرناه فاطمئن عبدو.
إصراري في الأول لخروجه للمنزل لعدة أيام فقط أتى بالموافقة وأخيرًا،رغم سوء حالته لكن لا جديد فيها ويبدو بحالة أفضل بكثير من غيره بهذا المرض الخبيث..
وسيكمل الأسبوع بدون مشكلة جديدة، فقط مشاكله السابقة..حسنًا أخجل وأنا أقول “فقط”.
دخلت على العم صالح تلك الظهيرة، لأعطيه البُشرى ولآخذ أنا وحدي وبكل أنانية ردة الفعل تلك والإبتسامة والدعوة التي خرجت من قلبه قبل فمه..
“ستنتظر إلى صباح الغد فقط لنعمل أشعتك وسيُطلق سراحك، لكن هاه يا عم، يومين في منزلك فقط وترجع لنا، تعرف نشتاق لك، اليوم مناوبتي سأشرف بنفسي على ورق خروجك وأتأكد من وقت أشعتك ما يتأخر، غدًا التاسعة صبحًا باذن الله ليس بعد ولا قبل ستكون متجه لمنزلك”
لولا الحدود كان ليضمني لصدره العاري، دموعه من كثرتها كانت تسكن في خديه حتى شككت إن كانا منبعها.
اُحرجت وكرهت كوني أنا من أحدد حريته، ولو أنها طبيعة عملي..
تذكرت عندما قلت لذلك العزيز نفس عبدو“سيُطلق سراحك قريبًا” وأنا أحب أن أقول هذه الجملة على سبيل المزاح، فقط لأني أُريد أن أُشعرهم أني أفهم كرههم لهذا المكان الخانق..
وأن يفهم أحدًا ما تُعاني، هذا عزاء كافي..
ردّ علي عبدو بكبرياء “أنا عشان ولدي قاعد والله، احترامًا له”
بلغة أُخرى “لستم أنتم من يعطيني الحرية أو يحرمني منها”

تلك المقطوعة الطويلة، كنت أتخيّل كيف ستكون نهايتها..
ما بين قوة صوت البيانو، وانكسارة الكمان ..
تأملت “ياني” و”صموئيل” عازف الكمان الأرماني
و حديثهما “إلى آخر لحظة
بكيت ..
بيدي العاريتين مسحت دموعي سريعًا..يداي التي تتمنى لو تستطيع حمل ثقل العالم ..
بكيت كثيرًا
وشريط تلك المناوبة يدور في رأسي..
وعدٌ قطعته على ذلك الليّن المُنكسر
وقُبيل الشروق أستيقظ في تلك الغرفة الصغيرة وبلا سبب، مُنادٍ نادى..
أنزل لذلك الجناح، نصفي مُتحمس لرؤية الإفراج ونصفي نائم..
مُثقلة خطواتي لذلك الجناح البارد وكأني علمت مسبقًا ما سأرى ،
تقفز علي المممرضات “مريضك! تحت الإنعاش حاليًا، والفريق عنده”
فُجعت، قلبي بدأ بالتسارع، أيّهم!!؟
عبدو بالتأكيد، يا لغبائي ماذا أقصد بأيّهم..صالح حالته مستقرة وجدًا، عبدو يتدهور في كل دقيقة.
تصرخ الممرضة برقم الغرفة ..
لكن هذه غرفة صالح!
وكأني بدأت أسمع الكمان ..وكانت أتعس معزوفة قد تسمعها يومًا.
ركضت كما يفعلون في الأفلام السينمائية، ركضت حتى آخر الممر لآخر غرفة، أول سرير..
بدون سببٍ واضح حتى الآن، وبحكمة من الله استسلمت روحه لله قبل سويعات من الإفراج المُنتظر..وعقلي يركض أسرع من قدماي “ماذا لو كنت أخرجته للمنزل ومات هناك!؟ هل يجب أن أشكر الله؟؟ أم أحزن من أجله أنه لم يتسنى له رؤية النور!!!؟”
وقفت عند الباب بعضلات مُرتخية أُشاهد العم صالح يُنعش،
في تلك المعزوفة “إلى آخر لحظة”
أشاهد “صموئيل” يدفع بعصاه على كمانه بسرعة مجنونة، تخرج البودرة من بين تلك الأوتار وكأنما سيُفجر من بين يديه..تزداد حدة الأداء يعلو الصوت وأنا أشاهد محاولاتهم في إرجاعه للحياة،خُيّل لي بأن أوتار الكمان قُطّعت من حدة تلك المقطوعة، كنت أريد أن اُغلق أذناني من ذلك الضجيج العالي ..
أصوات الآلات، صراخ الفريق الطبي على بعضهم فوقه مساندةً و خوفًا..
اصمتوا جميعًا!
لم أعد أتحملها! هذه المعزوفة، فلتنتهي!!

أبكي على دخول البيانو لوحده في المعزوفة، والهدوء والسلام الذي حلّ من بعد الحدّة..
ترجع نبضات العم صالح، يعيش..
لم أكن لأصدّق..
نُقل للعناية المركزة، مُخدرًا نائمًا بالأنابيب والأجهزة لعدّة أيام، لم تكن أيام حتى تبِعه عبدو للعناية على نفس الوتيرة..كان لابد أن يتلازمان.. مقطوعة واحدة هم.
كنت أتابع حالاتهم، لكن هذه المرة في صمتٍ مطبق.
“سيُطلق سراحكم!؟” أضحك وأقول “رأفت بي وبهم يا حبيبي يا الله”
أخذ الموضوع وقتًا أطول من الازم حتى تحرروا من تلك الأنابيب والأجهزة ..حتى أني نُقلت لمكانٍ آخر آنذاك.
عندما سمعت أنهم يعون الآن، وحالتهم العقلية جيدة كفاية..
ركضت للإثنان..
الممرضات يحذروني أن هذا الكمان أصبح معطوبًا، واستخدامه بوترٍ واحد قد يؤذي..
لم آبه لما قالوا
-“عم صالح؟ حمدلله عالسـ..”
-“مين انتي؟؟؟” صرخ
-“أنـا أفـنان!”
يتأمل وجهي بذهول، عيناه جاحظتان، يمد يداه لا أعلم ماذا يريد أن يمسك فيني بالضبط
-“عم صالح، أنا أفنـ”
-” مين انتي!!!!!” يصرخ بكل قوته، يفز قلبي من بعدها وشككت إن كان يريد أن يؤذيني لوهلة
-“أنا افنان، طبيبتك” حاولت أن أهدأ وأفهم..
-“مين انتي اقوووول لك!!!؟” يصرخ وهو يبكي
خفت من هول الموقف، ووقفت عاجزة عن الرد وبنفس الوقت خجلت ان اتركه خلفي وهو محطم هكذا..
-“اهدأ يا عمي، هات يدك، أنا أفنان، دكتورتك يوم كنت فوق”
-“ابعدي عني!! وقوليلي مين انتي قلت لك!!؟”
بدأ يبكي ..يبكي بحرقة.. وقتها وأنا أشاهد عيناه وهو لا يزيحها عن وجههي، اغرورقت عيناي
فهمت الآن، عيناه أخبرتني، التيه فيها، والخوف، العم صالح يبكي بحرقة لأنه يجد صعوبة في تذكري وهو يعرف أن هذه الإنسانه تعني له شيئًا..
أكمل و فاجأني عندما بدأ يتوسّل بين بكاءه “الله يخليك قوليلي مين انتيي!!” تمسّك بالممرضة بجانبه بكل قوته وبسبابته يُشير علي “قوليييلي مييين هذييي!!؟”
“قوليلي مين انتييي.. قوليلي قوليلي ”
لا أعرف كيف كانت دموعي ثابتة في عيني وقتها..
لا أُخفيكم أني فكرت في كل العوائل التي فقدت فيها ذاكرة حبيب في يومٍ ما .. ااه كم كان مؤلمًا أن أتأكد أنه محطمًا لأنه لا يعرفني وهو متأكدٌ أنه يعرفني.. يا للتعقيد!
وهو فقط مريضي لمدة..
سرحت في خيالاتي ودعائي لكل أحبّاء مرضى الزهايمر والخرف..
استسلمت عن سماع تلك المعزوفة ذو الوتر الواحد، الباردة الحادة ..
تركت مكاني ومشيت..أو جريت..
أخذ يصرخ بكل قوته وهو يحاول الجلوس عاجزًا “تعاللللي لا تروووحين!! اقول لك مين انتي!!؟”
توقفت خوفًا من أن يسوء الموقف أكثر، وطلبًا من الممرضة المساعدة في تثبيته
جُنّ جنونه أكثر ..
يعيد ويكرر في جملته يحاول الجلوس والوقوف يصرخ يشتم ويلعن ..
تأمرني الممرضة أن أُثبته بالرباط على السرير وأرفض، تأمرني بقوة وتخبرني أنه قد وُقعّ من الإستشاريين الموافقة على ربطه عند الإضطرار ..
أستسلم لطلبها وأنا أتحاشى النظر لوجهه..
أربط اليد الأولى وتربط اليد الأخرى، أترك المكان بسرعة على وقع تلك المعزوفة الأسوأ، وأنا التي اعتقدت أن موسيقى لحظات الإنعاش كانت الأسوأ!!
كررت زيارتي مرتين بعدها بين أيام متفرقة، نفس السيناريو..
يبدأ باستيعابه لوجهي وصوتي ثم صراخه ثم ضربه وغضبه، وينتهي بربطه وهربي ..
تأكدت مما فهمت من عيناه لاحقًا
عندما رأيت معاملته للجميع الطبيعية.
دعوت أن فقد ذاكرته فقط في ذاكرته القريبة ..
دعوت أن تكون عائلته لا تزال في خُلده وفي أقرب زيارة له سيضمهم فرحًا.. لم أبقى لذلك الوقت لأعلم. لكن لا زلت أدعو الله..
أما ذلك الهزيل القوّي عبدو لم يُسمح له بإزالة الأنابيب، كان بعقلٍ صاحٍ وفمٍ مُطبق إجبارًا.. دنوت منه أنا وصديقتي الذي اعتادنا جدًا..
أُنادي عليه، تدور عيناه بحثًا عنّي، أسأل عنه وعن حاله
وكمعزوفة على مفاتيح بيضاء وسوداء على التوالي يأتي الرد..
وقعت عيناه بعيني، بكى كثيرًا، أغمض عيناه بقوة امتنانًا، وأخذ يبكي،
وضعت اصبعي في قبضة يده “اذا سامعني يا عبدو وفاكرني اضغط على يدي”
كانت طريقتنا أيضًا في حساب مدى وعيه لمساعدة الممرضات في أوراقهم..
يضغط اصبعي بقوة وعيناه أقوى، ويخرج صوت الأنين..
النوتة الأقوى.
يُكملها “صموئيل” في دخوله ليُنهي المعزوفة، يمتد صوت الكمان ويتأرجح ، يقاطعه البيانو، ويطغى الكمان بصوته العالي..
يدفع “صموئيل” عصاه بقوة وبسرعة على الكمان من الأعلى إلى الأسفل ويُطيل في ذلك، يصفق الجمهور بحرارة، يستمر في مد ذراعه الممسك بالعصا الى ركبته وهو واقف، يُحاول إنهاء العصا الى آخر وترٍ في كمانه، “إلى آخر لحظة”.

معزوفة لم أكن أعتقد أنها ستنتهي، لكن انتهت.
إلى آخر لحظة كُنت أبكي وأضحك..
آمنت أن الحياة تكمُن في التفاصيل حتى آخر لحظة..
صدّقت أن حكمة الله قد تظهر لك في آخر لحظة..
حُبنا للحياة، تمسكّنا بذلك الصوت وذلك الإصبع في قبضتنا..حتى آخر لحظة.
نحن متشابهون، كثيرًا، حتى آخر لحظة، نحن معزوفة واحدة متكاملة.
وفي ذلك المقعد العاشر، أنا و قلبي وعقلي وشعوري جلسنا وحيدين، حتى آخر لحظة.

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s