اليوم صادفت أفضل عبدالمجيد على الإطلاق..

في الآونة الأخيرة.. في السنين الأربع الماضية وفي كل مرة أذهب فيها إلى الحرم المكي في العشر الأواخر من رمضان كعادة سنوية، أصبح يُلفتني وبشكل كبير، الأطفال الحمّالة، الأطفال بائعي مناديل الجيب، الأطفال بائعي المقصات عند السعي..
ومن منطلق حبي للأطفال، وألمي لرؤيتهم وفخري في آنٍ واحد، أن تركوا التسوّل ولجؤوا للتجارة..
هكذا أراها، بهذه النظرة السعيدة..
أشتري منهم، أطلب منهم الخدمة حتى وإن لم أحتاجها، وأختم دائمًا مشواري معهم بكلمة محفزة لهم، لا أعلم لربما كانت دافع لهم للأمام.. أو على الأقل للتحمل.

ما يُزعجني في كل مرة، أن من يُرسلهم أيًا كان، لا زال به رغبة استغلالهم في التسوّل..فهو فعلًا مُربح وللأسف.

يأتيني الطفل ذو التسع أو العشر سنوات،يصر علي أن أشتري أو يطلب مني أن أقبل الخدمة بإلحاح، أو يستعطفني بطلبه المزيد فوق سعر السلعة.
في تلك اللحظة أغضب! بل أثور غضبًا ..
وعندما أحوّل غضبي هذا إلى كلمة أو كلمتان.. أنظر وأتأمل تعابيرهم.. وأكاد أبكي وقتها.

سارة ولا أعلم إن كان اسمها الحقيقي أم لا، عندما طلبتني، أقصد ألحّت علي أن أشتري منديلًا آخر، تمالكت نفسي وقلت: “ايش اسمك؟ سارة؟ شكرًا على لُطفك، لكن أنا أحتاج واحد بس، أتمنى تخلصين بضاعتك لليوم، اجري لسّ في وقت”

سارة ابتسمت عند كلمة “بضاعة“، سارة جرت عند كلمة “اجري” ..

علي في السعي استوقفني ..
“اعطيني يا خالة الله يعافييكِ، اللي عندك يا خالة”
وكالعادة: “ايش اسمك؟ علي؟ عندك شيء تبيعه يا علي؟ ”
لُقّن أن لا يسمع ، وفقط يردد نفس الجملة ..
“اعطيني يا خالة الله يعافييكِ، اللي عندك يا خالة”
“علي! تسمعني؟ عندك ؟في السعي،أكيد تبيع مقصات؟”
سكت للحظات واستشعر صدق حديثي ..
“ايه.. أبوي هناك.. بس خلصت ..اعطيني يا خالة الله يسعدك”
لُقّن أن لا يثق وفقط يردد..
“خلصت؟ ما شاء الله ! ممتاز يعني أنهيت بضاعة اليوم، تعال بكرة وحتكسب أكثر كل يوم! علي، إنت تاجر يا بابا مو شحاذ”

علي ابتسم بعيون تملأها الدموع عند كلمة “بضاعة اليوم“..
ضحك بصوت عند “حتكسب أكثر“..
ركض من أمامي بلا مقدمات عند “إنت تاجر مو شحاذ” .

بعد إنهائي لشوط في السعي لمحني من بعيد وركض بإتجاهي يحمل مقصًا
“آخر مقص يا خالة، ب٥ ريال”
اشتريته وشكرته وأثنيت عليه
بنبرة قوية غير متوقعة أحبّ أن يُخبرني فقال:
أنا تاجر مو شحاذ”

في هذه المرة أنا من اقشعر بدنه واغرورقت عيناي عند ترديده لجملتي ونبرته المُصدقة بها..

 

أما عبدالمجيد فحمّال لم أستطع أن أخدمه ففعلًا كانت أغراضي أخف بكثير مما لا يمكنني مجاملته..
“الله يخليكِ يا خالة، أحمل لك أغراضك، الله يخليكِ”
نبرة الترجّي وكلمة الله يخليكِ، تكتم أنفاسي !
تجعلني أريد أن أتبنّاهم جميعًا..
أريد الخلاص لهم من كل هذا!
ليس من الوهن والتعب الذي يعيشونه فقط، بل من الحياة الغير هادفة، اجلب قوت اليوم بالترجي والإستعطاف وهذا كل شيء.!

يؤسفني أن قابلت عبدالمجيد بعد صلاة الشروق حيث الشمس الساطعة التي ولأول مرة يُزعجني وجودها..
كل شيء كان واضحًا، لاحظت الرضوض الكثيرة في كل جسده، خدوش وجروح في عظمة الترقوة والخد الأيسر، لا أريد أن أفكر أكثر بمصدرها..
هم لا ينظرون لك في عيناك،لأنهم يخافونك، بلا سبب.
يمشون إلى جانبك بالضبط،يرددون جملهم وهم ينظرون للأمام.

آلمني رؤيته بهذه الصورة الكسيفة..
وكالعادة بعد أن سألت عن اسمه قلت “عبدالمجيد حبيبي، أغراضي جدًا خفيفة وصغيرة لكن متأكدة في زبون آخر يحتاجك”.
ألوم الشمس أن جعلتني أرى إلتفاتته القوية علي بإبتسامة كبيرة!
اقشعر بدني وقتها، أيُّ تعبير هذا!!
استرسلت، شعرت أنه طفل جاهز للتلقين أو مُرحّب بِه
فقلت” ايش فيك عبدالمجيد؟ ايه زبون.. مو إنت موظف؟
وأنا زبونة؟ ”
أخذ يضحك ضحكة حياء يلتفت يمينًا ويسارًا لا أعلم هو يبحث عن صحبه ليسمعوا معه ما أسرّه، أم خائف من رئيسه يراه وهو بهذه الحالة السعيدة، أرجّح أنها الأولى فقط كانت الإبتسامة لا تفارقه.
أكملت” تعرف عبدالمجيد أنبسط كثير لما أشوفكم كذا تشتغلون، أطفال بعمرك يشيلون أغراض أكبر منهم عشر مرات! أحس بفخر”
عبدالمجيد كان في حالة سعيدة لم أرى مثلها مُسبقًا لا في كل طفل قابلته وتحدثت معه ولا مع أي إنسان آخر.
عدتني ابتسامته وضحكته، أخذت أضحك معه
“عبدالمجيد حبيبي إنت موظف بطل! ما تحب تزعج زبونك لما يقول لك ما أبي، تقوم تمشي وتدور زبون ثاني، صح؟ ”
وضع يديه على فمه وأكمل ضحكته الظريفة المُعدية، ضحكت معه مرة أخرى “محد قد قال لك من قبل إنك بطل؟ ”
“..لا” إلتفت ليراني بإبتسامة عريضة وكأنما كلمة بطل كانت حلم وتحقق.
طيب اسمعها مني ” إنت أبطل عبدالمجيد قابلته بحياتي”
ربت على رأسه و أخذت طريقي..

عبدالمجيد وقتها كان يمشي بشكل مختلف، علمت وقتها أن له رقبة طويلة.
ينظر بشكل مختلف، في كل الإتجاهات و بشكل أهدأ وأكثر اتزان
ويتلفت علي من وقت وآخر وهو في طريقه المعاكس لي، يبتسم لي ويضحك.

أطفال، حُرموا من المعنى الحقيقي كونهم أطفال، وفوق كل هذا حُرموا من التعرّف على مفاهيم الحياة الأساسية..فبمجرد أن يتوقفوا عن كونهم أطفال بحكم العمر، لا أعلم ماذا سيكونون أو كيف سيصيرون..

اللهم قدّرنا في يوم ونصنع ما يمكننا صنعه للتغيير، وأضعف الإيمان في هذه المواقف، كلمة .

 

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

رأيان حول “اليوم صادفت أفضل عبدالمجيد على الإطلاق..”

  1. ياا الله يا أفنان قديشك رائعة، فعلًا ماعندي كلمات تصفك حتى
    لطالما انزعجت من هالأطفال ومن فكرة إنه الكبار مستغلينهم، وبعضهم ملقنين نفس ما قلتي وماعندهم استعداد يسمعوا، فعلًا اسعدتيني واعطيتيني أمل إنه ممكن نسوي شي الهم قد ما كان بسيط، أثره عظيم صدقيني
    لكن المؤسف أولئك اللي فعلًا بيشحدوا يا أفنان، لا أعلم ماعلينا فعله لهم هل توجيههم؟ هل رح يستمعوا أساسًا ولو استمعوا هل بمقدورهم؟
    انا سعيدة جدًا انه هناك أناس نفسك ونفس تفكيرك، جدًا سعيدة
    مبارك لكِ نفسك

    Liked by 1 person

  2. قرأت المدونة من فترة طويلة وأعجبتني لدرجة أن أتذكرها الآن من خلال عنوانها فقط! سعيدة أنني وجدتك وشكرًا لكتاباتك المختلفة✨

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s