عالَمين، لنفس الحياة.

تلك الطفلة ذات العام الواحد، أحملها بين يدي، أقبّلها قُبل كثيرة، تنزعج مني، تصرخ وتتلفت بحثًا عن والدتها، أعصِرُها لحضني أكثر، لولا خوفي عليها من ضيق النفس لعصرت أكثر، أضحك بتلاعُب وحُب، تضربني تلك الأيادي الصغيرة مُتذمرة، أرفعُ زجاجة الحليب لأفاجئها بها، تسكت قليلًا ولا تزال مقطبة حاجبيها غاضبة، أسلّمها لها بإستسلام فتمسكها بقوّة وترضع بكل هدوء وكأنما رضَت علي. أحب تأمل وجهها، ماذا ستصبح إذا كبُرت؟ أي الأحلام التي ستحارب من أجلها، أبتسم وأنا أتخيلها بتلك القوة والعزيمة،أقبّلها بهدوء و أغني لها ..وعندما تنعس وتبدأ بإغلاق عينيها، أهمس لها في أُذنها:
تعرفين قد ايش خالتك تحبك؟”

في نفس الأرض و في نفس الساعة  مع اختلاف بسيط بسبب الخط الزمني الإفتراضي..
ينتشل الرجل أحجارًا كبيرة ، ماذا عساه يفعل ؟ يبني؟
يرمي بالأحجار بعيدًا، يتسارع في فعل ذلك، وجهه مُتعب مبتل بالعرق و مرهق، لا يحمل أيّ تعابير، أو يحمل؟
أدَمٌ هذا؟ مطبوع في غترته الملفوفة فوق رأسه، لابد أنه وضعها لتحميه من أشعة الشمس الساطعة لا تتناسب مع لباسه المبهذل، يكاد يكون عاريًا من شدة ما مُزّق منه ،تملأه الأغبره فلا تميز وقوف ذلك الرجل ذو ال ٣٠ عامًا بين تلك الأحجار من شدة ما طُبع لونها الأبيض عليه.
ماذا يفعل؟ أهي وظيفته، تنظيف الشارع من هذه الطوبات المتراكمة؟
يصل لمراده على ما أظن..وجهه يقول كذلك.
” الله أكبر .. الله أكبر”
يصرخ الرجل بين صيحات ودموع قذفها بشكل مُفاجيء وغير متوقع ..ينتشل تلك الجثة الصغيرة ، فتاةٌ أم صبي ؟
أدُميةٌ ممّزقة هذه أم طفلٌ لم يُكمل عامه الأول !
أبيض اللون تظنه شبحًا،ملابس ممزقة، فكٌ مفتوح وبعينان جاحظتان..
لا أعتقد أنه يملك أرجل أو يملك؟!
يرفعه والده و يضمه بين صدره،يبكي، يصرخ و ينتحب
“حسبنا الله ونعم الوكيل”
“حسبنا الله وكفى”
“لعنة الله عليكم! لعنة الله عليكم الله يوريكم يا سفاحين!!! الله يوريكم!”
يضمّه بقوة لصدره، لن يخاف أن يكتم نفسه بعد الآن، يبكي و ينتحب، ثم يهدأ قليلًا و يتأمل في ملامح الطفل الضائعة ..
يُحدق فيها، هو يحاول أن يجمع ما كان في وجه هذا الملاك الصغير من ذكريات، أحلام وأماني. يقرّب شفته المرتجفة المليئة بالدموع لأُذني صَغِيره ويهمس:
عارف أد ايش بيحبك أبوك؟“
 —————————————
تبدأ إجازتي ..
طالبة جامعية، مُتعبة ومُرهقة من الإختبارات وكل ما يتعلق بأمور الدراسة..
عزائي كون تخصصي شغفي وحلمي فأكاد لا أشعر بثقله على كاهلي..
أحمد الله أن اغتربت في مدينة لا تبعد عن عائلتي سوى ساعة بالطائرة، فأتردد عليهم متى أردت..
وأحمد الله أن استطعت أن ألتحق بهذه الفرصة في تحقيق الحلم ،
بفضل الله ثم والدي، والدي الذي رحل عنا، بعد مرض أتعبه وأنهكه، كان مستعدًا للموت فكتب الوصايا، ورتب الأمور بعد أن بنى حجر الأساس لعائلته، منزل ومال وكأنه لا يزال بيننا..
في إجازتي الطويلة، سعيدة أكيدًا بالفراغ والوقت الخالي من المسؤوليات، ولكن يرهقني وكعادة إجازاتي، التنقّل ما بين المدينة التي أدرس فيها والمدينة التي تُقيم فيها عائلتي، والأخرى المعتادين أن نقضي إجازتنا بها.. كثير من البيوت والتنقلات التي ترهقني، أفكر كيف أرتب وقتي في إجازة طويلة كهذه؟
شهري الأول سأقضيه لحياتي الإجتماعية، أصدقاء، أقارب، والكثير من الأقارب، والأهم أمي، فهي روحي التي اشتاق لها كل يوم في غربتي ..
شهري الثاني سأتدرب في أقرب مستشفى لإحدى التخصصات لعله ينفعني للقبول في الوظيفة لاحقًا..
أرجع لأفكر في طموحاتي، تطلعاتي للمستقبل لأرتب ما أحتاج أن أفعله لهذا المستقبل المشرق، يخطر ببالي أن الإجازة فعلًا طويلة ويجب أن أمليها ما استطعت ! فأنا أمقت الفراغ!
يأتيني شهرٌ خالي وأشعر بذلك الفراغ الذي أمقته
أركض لوالدتي، تشرب قهوتها ما قبل الإفطار، أشعة الشمس تنفذ وبقوة من النافذة الزجاجية الكبيرة في الصالة المؤثثة بشكل يجعلها أكبر من حجمها الفعلي ..
أقفز إلى جانبها، ألتصق بها و أتودد لها بكلمات أحضان وقُبل ، تضحك متذمرة .. أضمّها بقُوة وأطلبها بيأس: ” ماما جد نبي نسافر!”
في عالمٍ آخر من نفس الحياة..
هو مُتعب ومُرهق من البيوت العشر الذي انتقل فيها واحدًا تلو الآخر على مداد ال ٥ سنين ..
مُتعب من التفكير في دراسته الجامعية التي لم يُكملها ، وحلمه الواقف على عتبة بابه ، بسبب انفجار حصل في حرَم الجامعة فتوقفت الحياة فيها، وأدى ذلك لمقتل أغلب زملائه واساتِذته الذين قدّرهم كثيرًا، كان يشعر بالواجب تجاههم دومًا فلا يرد طلب أو دعوة، ولا يتردد أبدًا في دعوتهم لبيته في الإجازات الخالية من المشاغل.
مُتعب هو من عدد أفراد العائلة الذين فقدهم، وكأنهم لعبة الدومينو، يسقط الأول ويسقط الآخر بعده مباشرة، هو ينتظر دوره فقط ..
من صغار العائلة ذو الشجرة الكبيرة  العريقة ،لم يحن وقته بعد هذا ما يعتقده..
سئِم من فكرة عدم التخلّي عن الوطن وأن جلوسهم سيخلُق فارقًا
وفي كل مرة يخطر ذلك في رأسه يتذكر جيدًا لحظة والده، البطل الشجاع الذي افتدى بروحه لينقذ ابنته الصغِيره في دفع المعتدين عنها .. مات شيخًا، مات رفيعًا، مات بطلًا في عين عائلته، وشهيدًا عند ربه. يتذكر جيدًا تلك اللحظة عندما مسك بيد أبيه بعد أن اخترقت الرصاصات جسده و أخذ ينزف بلا توقف، مستعدًا للموت، استعداد من نوع آخر، استعداد وليد اللحظة.
في حضور الجنود واقفين يتأملون بنظرات شاردة مليئة بالخوف والذعر وكأن شجاعة وشموخ هذا الشيخ وعائلته أقوى من أي رشاش وأي سلاح دموي يحملونه بأيديهم..
أخذوا يتراجعون رويدًا رويدًا يتمتمون بكلام غير مفهوم، ربما أعذار ولربما كانت لعنات..
أمسك بيد أبيه “لا تترك بلادك يا ابني، وصيتي يا ابني، حافظ على اهلك، انت رجالهم يا روحي، استودعتكم اللّـ”
يغمض عيناه بكل هدوء قبل أن يُكمل ..
يبتسم ابتسامة شهيد رأى مقعده في الجنة..
تفقد يداه القوى فَيترُك يدَ وريثه في هذه الأرض.
ما أثقلها من وصيّة، واحدة هي، أولى وأخيرة، ما أثقلها على كاهله الصغير.
سَئِم تردّد وصية والده بِرأسِه ، يُحَاول أن يُسكِتَ مَنطِقَهُ وقنَاعَاتِه الخاصة، ويَخطِي خُطَى بَطَلُه الذي كان مثالًا عاليًا له إلى آخر لحظة ..لكن لا يستطيع!
سئِمَ من انتظار الموت !
التفَت إلى أُمه الجالسة بجانبه بحجابها الأسود متكئة، تَسرُح بناظِريهَا في جدران البيت التَعِب، الخُطوط المعَرّجه التي ينفِذُ منها النمل بصورة مُخيفة، أشعة الشمس تضرب رؤوسهم من سقف البيت الطيني المهلهل، ابنتيها الصغيرتين يبكون جوعًا وألمًا ..
يتأمل في عينا والدته الشاردة، لا يبدو في ملامحها روح..
يعضّ شفتيه قهرًا، ألمًا، حزنًا وخوفًا..يصرخ بحَزم :
بدنا نسافر ماما أنا بجد عم بحكي ، بدنا نسافر!”
 —————————————
أُحُب البحر، أُحُب عندما تسقط أشعّة الشمس في وَسَطِه ، فتَصدُر أشعة أخرى صغيرة كثيرة فِي الأرجاء..
لون رمل الشاطيء الذهبي، أجواءِه، أطفالٌ يهندسون على كومة الطين، أشكال غريبة يدّعون أنه قصر ويدّعون تارةً أخرى أنه كوخ..
رائِحتُه، نَسيم الهواء هنالك مختلف أيًا كان المناخ..
عوائل وأفراد، بساط أحمر يجلسون عليه، قهوة وشاي، لها طعمها الخاص، أيًا كان المناخ..
يلعب مجموعة من الشباب كرة القدم ،يعترضهم طفلان يركُضَان ، يُطلقَان ضِحكات على دُخولهم المُباغت، يتوقفون عن اللعب قليلًا ثم يُكملون. نأخذ أنا وأخوتي الزورق، نطلب من العامل هناك أن يتأكد أنه الأسرع والأخف، نريد أن نطير، نريد أن نشعر بأننا طيور أحرار، فالبحر بالنسبة لي موطن الحرية.
نلبس السترات البرتقالية، نطلب من السائق أن يأخذ صورة لنا مُجتمِعين أنا وأخوتي الأربع،أتفاجأ بأخي لا يلبس واحدة في الصورة،
أغضب بعدما تأكدت من ذلك بالواقع، أُخبر السائق حتى يُرغمه، فأنا لا تُهمني سلامته هنا، أريد للصورة أن تكونَ مثالية..
يرفِض أخي مُحاولات السائق بكلامه عن الوقاية والسلامة
ويبتسم بثقة قائلًا:
على ضمانتي” .

في شاطيءٍ وبقعة أخرى من هذا العالم..
في ربيعها العشرون وبملامح امرأة خمسينية، تحمل في يدها أمانة، طفلة بنصف عمرها ..
تركضان في وسط حشد بستر برتقالية..
عوائل وأفراد، صُراخ أطفال، نحِيب نساء وصَرخات لرجال في محاولات لإقناع أهاليهم بالوصول للقوارب بسرعة، فهي الأسرع والأخف ليست كسابقها ..
لا تعرف ماذا يعنون، كل ما كانت تعرفه أنها خائفة، ضائعة.
رمل الشاطيء ثقيل، كثيف، لونه أسود حتى ظنت أنه بساط كبير..
تساءلت لماذا أسود؟
شابة، وُضع على عاتقها حياة، مسؤلية كبيرة بين يدَيها، تُحاول أن تصل لآخر الشاطيء حيث البحر يبدأ مسيرَته ومن بعدِه طريق الحرية الذي يكمُن في جَوفه.
هي وشقيقتها، طفلتها، الروح التي تأمُل فيها الحياة، هي العائلة كلها، تستنشق فيها رائحة الأم وترى فيها عينا والدها وروح شقيقها وشِفاةُ شقيقتها الأخرى، هي ما تبقى لها من عائلتها، هي ما تريد، هي كل ما تريد بعد الآن. العدد أضعافُ القوارب، تخاف وتصرخ أن يفوتها القارب، لا تريد لأن تنتظر شهور أو حتى أسابيع أخرى..
تبكي بكل قوتها، تتوسل لهم أن يدعوها تعبُر، تقول لهم بصوت عالٍ أنها كل ما تبقى لديها ،تبكي، تدفع وتُدافع..
تسقط من ضربة قوية هوت على كتفيها جاءت من كتفي امرأة ضخمة البنية تحمل ابنِها على ظهرها وتعبر للقوارب بين الناس أو فوق الناس؟
تكظم غيضها فتضحك، لا تلُومها، ففي هذه اللحظة، نريد أن نعيش، لا يمكن للنظامٌ أن يتواجد متى تواجدت رغبة العيش.
تصل وأخيرًا للرجل يحمل طفلًا ويصرخ بكلام غير مفهوم يرمي بالطفل للقارب، فتستلمه أمه من داخل القارب ..
تركُض الشابة بأختها، تُسلمها للرجل فيحملها بعضديه القويتين ويرميها للقارب، ويستلمها رجل غريب آخر من داخل القارب.
لا أحد غريب حقيقةً في تلك المواقف، الكل واحد، الكل سواسية و الكل تائه، خائف، يُفضّل العيش على الموت بأي طريقة..
تُدخِل قدمًا في المياه محاولة أن تركب في القارب يَضربُها من خلفها كومة من البشر يتدافعون على القارب فتهوي في البحر، من أين أتوا ! يُدفن وجهها في تربة البحر، يدهسونها بلا رحمه، تلومهم هذه المرة. صرخات أختها لها أن تصعد منذ وضعت قدماها على القارب مُستمرة. تقف الشابة مرة أخرى، تتجه للقارب فيدفعها الرجل متأسفًا بعذر أن القارب امتلأ و لا يتحمل حجم قطة!
تصرخ في وجهه من غير مقدمات، كونها ظُلمت فقد دهسوها كما رأى بعينيه، تعذّر وأشاح بنظره عن عيناها، لا يريد أن ُيشفق لا يريد أن يضعُف، فلا وقت هنا للنظام والعدل! أن تعيش، يعني أن تُحارب ..
تتوسل إليه بكلامها المعتاد، أختها كل ما تبقى لديها، هي عائلتها، يُعطيها ظهره وهو يفُكُّ حبال القارب عن العامود مستعدًا للإبحار.
تصرخ الطفلة، تبكي، خائفة هي بدون بطلتها، ضائعة هي..
يُصرّح الرجل إذا كانت تُريد  شقيقتها فكل ما يستطيع فعله هو أن يحملها من القارب إلى حُضنها  فيجتمع شملهم، يصرخ بجدية أنّه قرارها، إذ تذهب معهم الصغيرة، أم تبقيان سويًا ! عجّلها بأخذ القرار! تحاول فتح فمها، هل من الممكن أن يكون هناك مجال ولو قليلًا للتوسّل مرة أخرى؟ تنظر في عيناه الحازمة، لا بد أنه جاد.. تسرح في عيني شقيقتها الصغيرة، خِصال شعرها الذهبية تتطاير مع الهواء القوّي، الشمس من خلف القارب تحجب ملامح أُختها، ملامح دُميتها المفضلة، لكنها تعرف أنها تبكي وتصرخ، تتأمل في وجهها جاهدةً في أن تحفظه، دُميتها هي، أرضعتها وحمّمتها، وأحبتها كثيرًا ..
تصرُخ الطفلة وتبكي وتتوسّل لأختها أن تصعد..
تحاول الصغيرة الفلات من رجل القارب الذي يحاول جاهدًا تثبيتها، تريد أن تقفز لأختها، تريد أن تقفز لحضنها الحنون، للحضن المتبقّي، للحضن الوحيد..
بنظرة وداعية حملتها الشابة وبصوت يملؤه العجز والشوق، وعدت دُميتها أنها ستأتي مع أقرب قارب وقريبًا جدًا..
تنظر لرجل القارب الذي بدا لها شخصًا قويًا وذو مسؤولية، نظرت له نظرة تملؤها الصرامة والضعف في آنٍ واحد، طلبته أن يصل بها لبر الأمان، طلبته أن يصل بها للحرية. ولإحترامه لهذه الشابة الشجاعة ولقرارها الذي لم يتوقعه، أمسك بقبضتيه القويتين كتفي الطفلة، صرخ بقوة وثقة أراحتها “على ضمانتي” ..

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s