في جوفي حكاية..لأم وطفل وشريان.

في شهري الثاني من سنة الإمتياز، في قسم الباطنة حيث أتدرّب، قابلت تلك المريضة، الأم العشرينية، ولدت حديثًا بابن في شهره الرابع الآن، ومنذ ولادته لم تكن بأفضل حالاتها..
في مناوبتي الأخيرة أنا وصديقتي الأخصائية نتحدث في وقت متأخر من الليل، تدعونا الممرضة لأحد الغرف، المنوّمة فيها هذه الأم الشابة، زينب.
نسبة الأكسجين تنزل بسرعة فائقة، وجه المريضة أزرق مائل للسواد، تجلس باستقامة وقناع الأكسجين على فمها وأنفها يتدفق منه ١٠ ليترات من الأكسجين، بعد أن زادت النسبة الطبيبة لنعيد لها النفس، والحياة. زينب لا زالت تحاول أن تلتقط ما تبقى في صدرها من نفس.
مُجهدة ومرهقة هي. تتحسن في غضون دقائق، وأمام أعيننا..أصبحت قادرة على الكلام الآن..تتحدث بهدوء وترد على أسئلتنا..
يجب علينا الآن التأكد من نسبة الأكسجين في الدم حتى نعلم إذا كانت بحاجة للنقل للعناية المركزة تحت الرقابة ..أم لا.
الدم يؤخذ من الشريان هذه المرة وليس الوريد، فقط الطبيب مُصرّح لفعل هذه العملية البسيطة، تبدأ الطبيبة بتحسس النبض أسفل كفها و بداية ذراعها، بالرغم من نبضاتها السريعة في الجهاز إلا أن نبضها في يدها ضعيف وغير محسوس بالكامل، نواجه صعوبة لإيجاد البقعة المناسبة لأخذ العينة، بدأت بوخز الإبرة الطويلة بقوة، مع طلبنا من زينب أن تلتفت للجهة الأخرى ولكن كانت عنيدة كفاية لأن تنظر ولا تفوّت شيئًا، أرادت أن تعيش الألم بشكله الكامل، ربّما..
أخذت الطبيبة دقائق طويلة وإبر كثيرة في البحث عن كمية كافية من الدم. هي خبيرة في ذلك لكن لم تستطع ولا نعلم لِم،استعانت بالممرضة بموافقتها وتحت رقابتها،لم تستطع كذلك..
أخذنا فترة راحة، والأهم أعتقنا زينب لفترة.
نتحدث معها قليلًا، تبدو مكتئبة، ولا تُلام.. منذ الولادة أربعة أشهر وهي تُعاني. -شُخصت بمرض مناعي بعد الولادة
تُخبرنا أختها بجانبها ممازحة، قريبة من عمرها و مرافقة لها فتقول:”كله من هالولد، من جاء عذّبها
تغضب زينب وتعبّس وجهها “لا لا! ” لم تحب ما قيل عنه سوءًا وإن كانت على سبيل المُزاح.
أخبرتُها محاولةً اطمِئنانها “ما عليك منها، هو الخلَاص مو العذاب
أخذت تهز برأسها موافقة، تبتسم وتوافقني مرة أخرى بإيماءات أمومية جذّابة.
في هذا الوقت يدخل زوجها حاملًا الطفل ذو الأربع أشهر، يجذب أنظارنا جميعًا أنا وطاقمي الطبي والأخت.
لكن زينب..
جذَب كُلّها!
صرخت..واعتقدتها صرخة ألم من شدّتها..
ركض الزوج بالطفل لصدرها، استقامت أكثر، شدت جهاز متابعة علاماتها الحيوية المعلق بأسلاك موزعة على جسدها على شكل شبكة عنكبوت.. تُمسك الممرضة الجهاز حتى لا يسقط.
تبكي زينب تضمه بيديها التعبتين التي لم تكن تستطيع رفعها سابقًا من شدة الإرهاق، تضمّه تبكي وتبكي.. أصبح بكاؤها مؤثرًا الآن، خُفت من هول المنظر.. ماذا بها!؟ كنت أقول هذا في نفسي رغم إيماني بتعلق الأمهات بأطفالهن الفطري.. لكن طريقتها كانت مختلفة جعلت قلبي يبكي قليلًا..
أمرنا الزوج بأخذ الطفل بعيدًا فالغرفة ملوّثة بما يكفي من بكتيريا وغيرها وحالة أمه بالذات حالة لا تسمح له أن يبقى في حضنها، للأسف.. ألذلك تبكي لهذه الدرجة؟ الحرمان؟ يولّد الرغبة؟
سمعت أختها تساؤلاتي في عقلي “ما تنلام.. محرومة من ٤ أشهر، من مرضت” أظهرنا تعاطفنا لهم..أخبرنا زينب أن فترة الراحة انتهت، سنؤلمك مرة أخرى لنعالجك. وافقت بكل حماسة! زينب لم تكن زينب، وجهها يرجع له لونه، الأكسجين في الجهاز يرتفع، كنت ألاحظ هذه التغيرات بدهشة.
لكن الدهشة كانت صاعقة عندما غرزت الإبرة الطبيبة، فتدفق الدم ليملأ أنبوبة العيّنة الصغيرة ومستعد ليملأ عشرة مثلها.
نضحك أنا والطبيبة، تضحك معنا زينب وكأنها فَهمت معنا المغزى من ضحكنا..
حبّك وشوفتك لطفلك دفّق الدم في شرايينك يا زينب” تقول الطبيبة وهي تضحك
تسعد بكلماتها وتسألنا إن كنّا متزوجات ؟أنجبنا أم لا؟ تسأل بعين تقول أرجوكم افعلوا فوالله حُب طفلك عالم آخر..
أخذت تدعي لنا أن نعيش هذا الحب المتدفّق في الشراين وأن نعيشه عاجلًا غير آجلًا.
خرجنا أنا والطبيبة، تلحق بنا أختها شاكرة، تحدثّنا عن حالة أختها بقلق تام وخوف من القادم ..
أثناء حديثها أفكّر في حالة زينب الشابة السليمة وتداعيها في مدة بسيطة غير متوقّعة..
زينب بكل بساطة إنسانة بسيطة قررت الكثير والله كان فوق كل شيء، بحكمته اختار لها كل شيء..أحب الناس إلى الله أكثرهم ابتلاءً.

تلك الإنسانة البسيطة..
قررت أن تتزوج أن تُنجب أن تحب وأن تربّي..
تزوجت وأنجبت وأحبّت…ولكن لم يتسنّى لها أن تربّي..
فـزينب توفيت اليوم التالي بعد مضاعفة حالتها المرضية،
زينب بعد ٥ أيام في مستشفانا، يوم واحد رأيتها فيه فقط.
و اليوم أتلقّى هذا الخبر وأجد نفسي في الغرفة الصغيرة التي صغُرت أكثر الآن..أحاول أن أتمالك نفسي، تواسيني الطبيبة فتقول “أفنان عزرائيل يعيش بيننا،اهدئي واعتادي“.
و أقول لنفسي في عزلتي، هذا عملي.. أفنان هذه وهي ليست بمريضتك أو تحت يدك! اتزّني..!
زينب امرأة أثّرت فيني ..
دمُّها المتدفق بعد رؤيتها لإبنها..
ابتسامتها النقيّة في تحمّل الألم وغضبها عند نسبه لولدها..
صرختها التي ربّما وقتها كانت تعلم أنه سيكون آخر لقاء بينهم..
أتذكر بكاء قلبي وقتها وإحساسي الذي كان في محلّه..
زينب، امرأة بسيطة..
كتب الله لها أن تضع طفلًا قبل أن تذهب، لتُذكر دائمًا.

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s