لا تحدّثني عن الندم..فقد رأيت كم تبدو تضاريسه على الوجيه، وَعِرة.

 

سألني صديقي في يوم “كطبيبة، كيف تبدو الحياة في المستشفى؟”
اعتقدت أني لن أطيل الإجابة، لكن هذا ليس ما حدث.

 

في المستشفى يا صاحبي، ترى جميع المشاعر عالسطح، لأنك دائمًا تعيش في العمق.

لا يستطيع أحدٌ منهم إخفائها، ولو اختاروا الصمت أو الغضب أو حتى الضرب..أنت تعلم ما يدور في خلدهم وتشعر به.
البارحة، بكيت ممرضة عشرينية تعيش حياة تعيسة مع والديها، هذا ما قيل، مما سُمع.
فقد شكت كثيرًا تعامل أبيها معها بعد طلاقها وتفاصيل عدّة تطرقوا لها ولا أحب أن أنقل ما لست أكيدةً منه..
وجدتها في غرفة مستلقية بأنابيب وأجهزة، في غيبوبة، وتزداد حالتها سوءًا يومًا بعد يوم..
هذه الملاك، دورها أن تكون مريضة الآن؟
الممرضة العشرينية قبل سنة من الآن، في المستشفى وفي مكان عملها المقدّس الطاهر، أخذت حقنة من الأنسولين الممتلئة، حقنت نفسها لتموت، لتنتهي، لتذهب بلا عودة. -جرعة زائدة من الإنسولين تُنهي كل السكر في الدم ومن الدماغ كذلك-
ما أسوأ أن تعرف كيف تموت، و بالطريقة الأسهل!
العقل يحتاج أوكسجين وسكر، وفقط. هذا ما تعلمناه.
حفظت الدرس جيدًا هذه الذكيّة، طبقته في مكان عملها حيث تحيطها كل الوسائل واختارت من بينها الأنسولين، حقنته في عروقها الصغيرة أسفل يدها البيضاء الناعمة ..
غاب كل السكر عن هذه السكرّة..
لو رأيت وجهها، لن تلومني في وصفها.
مُنتحرة، هكذا سُميت بالرغم من نجاتها..
نسيت أن أقول لك أن الله كتب لها النجاة، مُضحك مُبكي..!
نصف نجاة، نصف حياة..
والدها، ذلك الرجل الصعلوك لا تُصدّق ما قيل فيه بمجرّد رؤيتك لملامحه المُرهقة، يُدور في وقت الزيارة بحلواه ويُنشد الممرضات ويضحك معهم، الجميع ينظر له بإزدراء كأن يقولون ..”أنت السبب”.
لم أستطع إلّا أن أُشفق عليه،هذه إذًا طريقته في الإعتذار.. هذه طريقته في الموت البطيء.
أي عقاب عاقبه الله لكي يرى ابنته بروح معلّقة بين الأرض والسماء لسنة كاملة! بينما يعيش مع ضميره المحترق في جوفه.
كنت أرى الدخان في عينيه، آثار ذلك اللهيب بداخله..
كنت أرى البكاء الحارق في رجفة شفتيه ..
حاجباه لا يستطيع رفعهما، اعتقدته كُبر السن، حتى علمت بالقصة.
فهمت ماذا تعني كلمة ندم، في وجه هذا البائس.
توقف عن الزيارة منذ فترة، فترة طويلة جدًا..
أمات من الهم..؟
قتلهُ ضميره؟ قبل أن يميته هو؟
أم انتصر بجبروته على ضميره ، وعاش؟
كإنسان، أستطيع أن أذهب مع حدسي الذي رأى في وجهه قصة الندم الكبيرة، سأذهب أكيدة مع أن الندم قد تمكّن منه..
—–
كل مافي الأمر يا صديقي
أنك لا تريد أن تعلم كم يحمل هذا العالم من بؤس
كم من كلمة، صوت، أو تعبير للندم.. نراه أو نحسه..
نُخبر المرضى بمرضهم العضال المشخص حديثًا بطريقة مدروسة ومهذبة، في الغالب..
و نُخبر الأقارب بوفاة عزيزهم بعد فشل عملية أو إنعاش..
في تلك اللحظات بالذات..تستنشق الندم في أجوائها وتُكتم وقتها..
نسمع الندم في كلمات المريض الغاضبة الدامية فور تلقيه الخبر:
“كم سنة أعيشها فقط!!؟ لم أضعت سنوات حياتي للناس!!”
نرى الندم في عيون الأقارب المتوفى لهم حبيبهم، وحالهم يقول “كنّا مقصرين! ” “لو جلست معه أكثر” “لم كنت جافًا غليظًا معه..!؟”

لا تعلم يا صديقي كم تبدو رائحة الندم، نتنة!
أنت لا تريد أن تعرف كمية الحزن السائدة التي تأتي مصاحبة له..
هذه الموجة السوداء الطاغية في تلك الدهاليز الباردة ..
لا يستشعرها الجميع، فقط محبّو الحكايا..
فمن نحن؟ ما نحن إلا جزء من حكايات كثيرة، نتجزأ في حكايا البشر ونتجسد في حكايتنا الخاصة.

غرف المستشفى تجعلني حزينة يا صاحبي.. بدون أن أشعر، أكتشف هذا عندما أكتب..
لكن بشكلٍ ما، رأيت الفائدة المرجوة من تأملي، فقد بدأت أرى في نفسي إتقان الإبتسامة والفرح أكثر وأكثر..
وكأني فهمت كيف أنظر للحياة، أنظر لها بالمقلوب..
كمرآة، أعكس الأمور حتى تظهر بأفضل حلّة.
أصبحت هذه نصيحتي..لنفسي و لصحبي فأقول:
دعونا نمارس الحزن هُنا
فنُتقن الفرح خارجًا” .

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s