وبأي ذنبٍ استحققتكم؟!

اليوم في الساعة الرابعة فجرًا، توقظني رنة هاتفي من الإستشارية في الطواريء، اعتقدت أني محظوظة هذه المناوبة فلم يطلبوني اليوم أبدًا، لكن الرابعة فجرًا! حتمًا ساعة لا تُغتفر وإن تدللت قبلها.
من غرفة المناوبة الصغيرة التي لا تتعدى المتران في خمسة، ضيقة وخانِقة، أذهب إلى الطبيبة حيث طلبتني و أنفذ ما طلبته مني ،وأقرر أن أجلس في غرفة الطواريء قليلًا، لا أعلم لِم.. من باب التغيير ربما، ولأني مللت تلك الغرفة، النوم الكثير
و افتقاري لوجيه البشر..
لم تكن مُزدحمة، أطفال ونساء، مُرافقين ..
أكثر ما أُشفق عليه هؤلاء المرافقين، رؤيتهم لأحبابهم يتداعون وبكل عجز وحب يطلبون منّا المساعدة..أحب دائمًا أن أسأل عن حالهم قبل أن أسأل المريض عن حاله..
أخذت كرسي، و جلست. شدّني تجمع حول آخر سرير بالغرفة سرير رقم ١، لا أرى من فيه تُغطيه ستارة صفراء منسدلة وممرضتان وحارس أمن! ماذا يفعل هُنا؟ لم يكن تجمّع يحمل أي ضوضاء أو شوشرة على العكس تمامًا، أقف وأتحرك قليلًا بشكل فضولي لأتمكن من الرؤية، كان هنالك ذلك الصندوق الكبير الشفاف بداخله طفل بلون جميل وردي يميل إلى الحمار، شعر داكن أسود، كالحرير يتحرك مع كل حركة لرأسه، لا أعتقد يتخطى عمره الأسبوع. أُحب الأطفال لطالما أحببتهم واشتقت للتواجد معهم،حيث الباطنة وكبار السن مكاني الآن..

IMG_3149
جررت نفسي إلى تلك البقعة الوردية بابتسامة أحملها وحماسة لحمل هذا الملاك الذي يبدو أن حالته مستقرة جدًا كما تُشير الشاشة المتصلة بأسلاك تُعبّي جسده الصغير المُنهك..
وأنا أمشي إليهم أتفكر بحارس الأمن هذا، منتصف الثلاثينات تقريبًا، يتحدث مع الطفل من وراء الصندوق بابتسامة، تستطيع أن تصدق أنه والده. و فور وصولي، رجع الحارس لمكان عمله خارجًا، لا أعلم إن كان أُحرج أم انتهى واكتفى من شحن طاقته برؤيته لهذا الطفل لوقت قصير. الممرضة تحمل الطفل خارج الصندوق وتغير له وتنظفه وتساعدها الأخرى، لم تدع لي مجالًا للتساؤل، وأنا التي رُسمت على محياها ابتسامة تحمل كل أنواع الحماسة والحب في جوفها..
صعقتني وكأن ماء مُثلّج كُب على رقبتي في ليلة صقيعة..
“مسكين، وُجد في المسجد، رموه.. والداه، رموه”
ابتسامتي طارت اختفت وتلاشت ولا أعلم متى سأتمكن من استرجاعها قريبًا، لم يكن لدي المزيد من الأسئلة، لم يكن لدي أسئلة من الأساس، هل كان يجب أن أعلم!؟
تركته الممرضة التي كانت حنونة جدًا في التعامل والتي لم تتوقف عن الحديث بشفقه له ولكل من يأتي حوله.
بقيت معه لوحدنا، يبكي ويبكي بعد أن تركته من يديها للصندوق مرة أخرى، أخُلق فيه الخوف من الفقد!؟ من اليوم الأول في حياته!
دائمًا كُنت أعرف كيف أتعامل في أوقات كهذه، خبرة بيتنا المليء بالأحفاد وخبرة قسم الأطفال الذي أُفضله، لكن وقتها كُنت غارقة بأفكاري، بحزني وشفقتي التي جعلتني لا أستطيع التوقف عن التأمل به والسرحان فيه بجمود..
نعم الموضوع تكرر علي، لكن أن أشهده! هذه قصة أُخرى!
تصرفت أخيرًا، لبست قفازي، فتحت الفتحة الصغيرة في الصندوق، أدخلت يدي ليديه بانتظاره أن يقبض عليها، لم يفعل.
استمر بالبكاء، وأنا أضع اصبعي داخل قبضته”امسكها هيّا”!
يفلت يدي بكل مرة ويُكمل بكاءه، حقًا أردت البكاء معه!
لماذا شعرت أنه لا يريد أن يثق بأحد في هذا العالم!؟ لماذا شعرت أني أسمع بين نشيجه الكثير من الكلمات..؟!
لم أشعر كم من الوقت كنت أحاول تهدئته وكم أخذت من الوقت أنزف بكاءً داخليًا على روحٍ تشردّت مُبكرًا جدًا، قبل أن يبدأ العالم لعبته عليها..
وضعت يدي على رأسه وجبهته، أخذت أمسح على شعره وحاجبيه بِرفق، خفّت حدّة بكاءه، ابتسمت أن نجحت، فابتسم..

IMG_3150
لا أرجوك! توقف! لا تبتسم! فوالله أنت لك كل الحق أن تكره الكل وتبغض الجميع وتنسى كيف تكون الإبتسامة في وجه هذا العالم البائس…طالت ابتسامته وأنا ما بين فرحتي وتعاستي أشكي له وأحكي عن مدى جمال ثغره الخالي من الأسنان،وعيناه الممتدة لطرف حاجبه مفتوحه من الأطراف تُعطيها شكل دائري بريء ..
أخذت كرسيًا وجلست بجواره، أراقب أم أرقب.. لا أعلم ماذا كنت أفعل. يقرب مني حارس أمن جاء من الخارج يركض لهذا الصندوق الذي لم يتوقف عن جذبهم جميعًا إلّا من هم أولى بذلك، والداه.
“بخير يا دكتورة؟” يسألني الحارس الخمسيني مملوء بقلق أبوي محبب، أجيبه أن لا علم لي بتفاصيل حالته لكن الشاشة تقول أن حالته مستقرة.. أُكمل حديثي لإشباع فضولي:” إذًا أنت من أحضره؟” يرد علي ببؤس، أن الطفل أكمل يومه الثالث هُنا، وأن صاحبه من وجده، وكل حراس الأمن تداولوا القصة والجميع قلق عليه، يقول لي أنه في مناوباته لا يستطيع إلا و أن يمر عليه ليتطمن، استأذن مني ورجع لعمله.
حراس الأمن من تعلقهم به، لا تعلم من كان المسؤول في مساعدة هذا الطفل، حراس أمن وحراسٌ للإنسانية.
أخذت الكثير من الوقت في الجدال مع أفكار هذا الطفل الحديثة العهد، ووقت أكثر في إغراقه بكلمات رحيمة تقوّي من عوده ربما..
يدي لا تزال بجبهته الصغيرة، وعيناه تُفتح قليلًا كمتحمس للحياة وتغلق أكثر ولا ألومه..
أخذت ربما ساعة على هذه الحالة..
اقتربت منّا امرأة أربعينية جاءت كمُرافق لوالدها المريض في السرير رقم ٥ وضعت يديها عالصندوق و أخذت تتأمله معي..
-لدي ثلاث من الأطفال.
-ما شاء الله، يخليهم لك.
-رجال حقيقة، مو أطفال، لكن أطفالي، تعرفين..
-أفهم شعورك، فليضلّوا كذلك.
-هذا مستحيل، ولذلك أريد طفلًا.
-لا تستطيعين ؟
-انفصلت. حقًا أريد طفلًا، لا أعلم أي قلب أم قادر على رمي مثل هذا الكائن الوسيم..
-معوّضة خير، و اللهم ارزقك بر رجالك أو أطفالك.
-أريد طفلًا، سأتبناه! تعرفين كيف؟ من أكلم؟ لمن أُخبر ؟ كيف النظام؟ أخبريني..
-ما اسمك..؟
-زينة.
-زانت أيامك يا رب بقلبك الطيب، سأسأل لك عن كل شيء وأخبرك.

لست متأكدة من النهاية السعيدة ولست متأكدة إن كانت نهاية، كل ما أعرفه أن البؤس يملأ هذا العالم القذر.
وأن الرحمة نُزّلت من الله في البشر وعلى البشر، لنتناسى كل ما قلته سابقًا..
حراس أمن، ممرضات، وزينة.. سيذكر هذا الطفل نُبلكم، فشكرًا لكم أحبّاء الإنسانية..

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s