وردة، كان من الممكن أن تكون مجرّد بقعة.

أغمضت عيني قبل النوم لتخيّل لوحتي، لابد أن أُكملها، فالغد هو آخر يوم في ورشة تعليم الرسم، أكملت أسبوعين فيها، خرجت منها بصداقات عظيمة و أسلوب خاص اعتمدته للوحاتي القادمة.
موهبة دفينة منذ الأزل أردت أن أنمّيها، المال والوقت عائقي الدائم، تجاوزتهما بشكلٍ ما و وصلت لتحقيق جزء من ذاتي والركض وراء كينونتي في قرارٍ كهذا، ورشة لتعليم الرسم بدلًا من دراسة اختبار قادم من أجل الوظيفة، و هكذا أؤمن، أجمل الأوقات تكمن في أكثر القرارات خطأً.
الفرشة، الألوان، العشوائية ..حيث أنا.
الجميع يأخذ زاويته، المعلمين يوصونا أن نمسك بالفرشة وننطلق..
هذا كل ما في الأمر.
لطالما آمنت أن الفن لا يُدرّس، و ما حصل هُنا كان حركة توجيهية، هُم يُخرجون المجنون الذي بداخلك. هذا وفقط.
بدأت بالرسم والتلوين داخل الحدود، يمسك المعلم فرشتي يلطخ لوحتي بكل جرآءة، أتذكر مقولة أحدهم أن” الدقة نقيض الفن”، فأستميل للفكرة وأحاول أن أتجرأ أكثر..
أصبحت أكثر راحة مع يدي، فرشتي ولوحتي ..
حتى أني أشعر بالحب معهم، سعادة قصوى واكتمال تام.
يوصونا دائمًا بالرجوع إلى الخلف، ارجع بعيدًا عن اللوحة ، انظر لها من بعيد حتى تعرف أين أنت من إنجازها وإلى أين وصلت في اتقانها.
كانوا يقيّمون لوحاتنا من حيث الإتقان، بــالروح..
وهذا ما أحببته!
كانت تعابيرهم تقول “لابد أن تزيدي الروح فيها”
“ينقصها روح”
“هذا اللون مع هذا اللون يكتم الروح فيها”
كانت هذه الكلمات تجعلني أتجرّد من أكادميتي كما علّموني
وأنطلق بروحي وفقط ..
يمر علي أحدهم فيؤنبني حيث أني لم أرجع للخلف كل خمس دقائق..
النظر للمواضيع من بعيد يعطيك الصورة الأشمل! لا تكوني ذا نظر ضيق.
أقف بعيدًاعن لوحتي في آخر يوم لي معهم ..
واتكىء على الجدار ..
آخذ نظرة بعيدة، وأنتهي بالسرحان في كل تلك المساحة
أتأمل في الألوان الملطخة في كل مكان
غُلفت الطاولات بالنايلون ووضعت الأصباغ بعشوائية عليها من قِبل الرسامين على يمينها ويسارها، أحجام مختلفة من الأواني المجوفة تتوزع بينهم يملؤها الماء إلى نصفها وتسبح بها كل أنواع الفُرش ..
يوصينا الفنان أن نختبر الأدوات، ونذهب لما ترتاح له أيدينا، فلكل رسام تجربته الخاصة وكيماء خاصة به يتعامل بها مع العالم بمنظوره الخاص..التجربة خير برهان.
أتأمل في جمال الألوان، وطريقة دمجهم لخلق ألوان أخرى، نحن نملك ألوان الحياة في ثلاث عُلب فقط، نخلُق اللون ونحبه، هذا انسجام وتعايش..
يمشي الفنان من بيننا، هو يعلم من نحن من خلال لوحاتنا، هذه جادة، هذه متسرّعة، الفتاة تلك متحفظّة، هذه مرحة وطفولية..
أحد الفنانين يدير معارض كبيرة في مناطق عديدة، عندما أطرى على آخر لوحة لي قال لي أنه معجب بروح لوحتي، حيث أني عكست إضاءتي عليها، لم أفهم ما قاله بدايةً حتى أشار لي على حذائي، حذائي كان يحمل كل الألوان من البنفسجي والأخضر والأسود والأحمر، كألوان لوحتي بالضبط.
قال لي هذا صدق وذكاء طفل أن تعكس لونك على لوحتك.
أكّد لي أن الفنان يجب أن يكون طفلًا حتى يُبدع.
معلمنا أوصل لي رسالة يقول فيها: “إن رأيتِ نزعة مثالية تخرج منك لتكون لوحتك مثالية أو دقيقة، اكتميها، وارجعي للخلف، اضغطي على عينيك ليتشوش نظرك، انظري للوحة وكأنك تعيشين في غمامة وسترين أنها لا زالت جميلة! الألوان، انسجامها وتوزيعها هي الفكرة”
في هذا الوقت وقفت صامتة لمدة ..
سندت ظهري على الجدار، أبعُدُ عن اللوحة بمسافة،
أخذت أتذكر محمد الفتى الصغير ذو الخمس سنوات، أتذكر دخول والدته القلقة على عيادة الطبيب محمود، طبيب الأعين.
أنظر إلى اللوحة وأتأمل بالألوان، ثم أشوش نظري.
محمد يدخل الغرفة بشكل غير متزن يميل يمينًا ويسارًا، رقبته تميل إلى اليسار أكثر وبشكل مشدود جدًا، يتحرك ويتمايل بصورة مريبة، حتى وجّهته بنفسي إلى كرسي الفحص. تتأسف والدته أن جاءت بلا موعد هي فقط قلقة وليست متأكدة إن كان قلقها في محله أم لا..يؤنبها الطبيب محمود الأردني الستيني ذو القامة الطويلة واللبس المرتّب واللحية البيضاء المعروف بخُلقه، و هو أحد البشر الذين أثّروا فيني وفي طريقة تفكيري كثيرًا..
يؤنبها فيقول لها أن الأم يجب أن لا تُهمل حدسها أبدًا ! وما فعلته صائبًا وإن كان سيأخذ من وقته.
أنظر إلى لوحتي بنظر مشوش، سأعيش وكأني في غمامة..
أتذكر بقية الحوار جيدًا، عندما سأل عن مشكلة الطفل وكانت تكمن في أنه أحيانًا لا يرى ما تحت قدميه! هكذا فقط. “أحيانًا”
حياته جيدة، دخل التمهيدي ويبدو أنه يقرأ ويكتب ..
هو فقط لا يستطيع أن يجلب لأمه القلم من تحت قدمه؟
أخذت أفكّر بصوت عالٍ في فكرة عدم اتزّانه لربما كانت السبب؟
لكن الأم مصّرة أنه لا يرى ما تحت قدمه، والمشكلة ببصره وليست عقله.
وفجأة يرمي د.محمود غطاء القلم الأزرق على الأرض البيضاء
“محمد، جيبه يا بابا” يوجه الطبيب الصغير، فيقفز محمد ويجلبه له سريعًا، الأم من نظرتها علمنا أنها أُحرجت من التشكيك بصدقها، لكن د.محمود لم يهتم لما فعل الطفل، التفت لأمه وقال لها “الأم ما بتكذب أبدًا”
اطمئنت، وانتظرت..
أعاد الإختبار فأخذ ورقة فاتحة اللون صغيرة ورماها على الأرض البيضاء ..
أنظر للوحتي.. فازة، تحمل وردة كبيرة صفراء ممزوجة بالوردي.
الفاتح..بخلفية بيضاء..
الفاتح مع الأبيض .. أضغط عيني ويتشوش نظري مرة أخرى، تنغمس الوردة الصفراء مع الخلفية ..فتختفي، أفتح عيني بقوة، أراها أمامي مزدهرة..
أضغط مرة أخرى فتختفي..
يقفز الطفل عند المكان الذي يشير فيه د.محمود، يدور حول نفسه
يسهّل الطبيب عليه فيشير بيده أكثر إلى مكان الورقة، يدوسها محمد الصغير ولا يراها، تمسك دموعها تلك الأم الرقيقة، هي لم تحب كلا الإختباران، لكن الثاني كان أقسى عليها، كان بودّها أن نُكذّبها.
يشك الطبيب في أمر الطفل، يدرس ولا يشكو من أي شيء
نسألها إن كان يصطدم كثيرًا يتعثر كثيرًا؟ تنفي ذلك.
نضعه على كرسي قياس النظر، مصباح في العين وقياسات تجعلنا أكيدين كم ينقص من نظر هذا الفتى.
أفتح عيني على لوحتي، آخذ فرشتي، أختار الأحمر، أضيفه على وردتي الصفراء ، ألطخها وألطخها..
يدعوني دكتور محمود للشاشة، انظري!!
إلى ماذا ؟
إلى الرقم!
“ينقصه ست درجات في كل عين، وهذا لا يُعتبر أعمى كما يظن الجميع، لكن المعجزة في هذا الفتى أنها ست درجات بالتساوي، ولا يوجد ربع مشكلة اخرى في أحد العينين، فبالتالي توازن نقص العينين خلق منه نظر جيد يستطيع العيش به، لكن دعينا نضع له نظارة بهذا القياس ولنرى ما كان ينقصه”
أحيانًا نحن لا نعلم ما ينقصنا حتى نجرب أن نملأ هذا النقص..
أرجع للخلف وأنظر للوحتي، أشوش نظري مرة أخرى..
يأخذ النظارة الطبية ويضعها في عيني محمد الصغير
أرجع للخلف أكثر، أضغط عيني أكثر.. بقعة حمراء في المنتصف..ذاكرتي تقول أنها ربما تكون وردة..
يمسك محمد الصغير النظارة بيديه من عند اذنيه بقوة..يفتح عينيه بقوة وهو يلتفت يمينًا وشمالًا..بفم مفتوح وظهر مشدود، دهشة كبيرة على محيّاه..
أرجع للخلف أكثر .. أفتح عيناي بقوة!
“وردة حمراء!” أراها وما أجملها
ماما!” رآها وما أجملها
يطلق ضحكات مجنونة ويتلفت بقوة في كل مكان
يصرخ مرة ومرتان “ماما” وكأنه لا يريد إهداء هذه الفرحة لغيرها،
استمر لمدة بإبتسامة لا تفارقه يتفحّص الغرفة، بحثًا عن كل جميلٍ فاته كل هذه المدة .
تنظر الأم إليه ، تغمرها الدموع وتضع يدها على فمها
تلتفت إلينا راجيةً منّا الشرح والعفو..
يمسك محمد النظارة بكل قوته، هو لا يريد أن يُفلتها أبدًا، خائف من هذه المخاطرة! عاش فيها كفاية.
عندما  يتحدث أحدهم عن الدهشة، يخطر في بالي وجه محمد الصغير وصرخته..وتلك الضحكات بين ابتسامته العريضة.
ألتفت إلى دكتور محمود وأسأله بكل فضول وخوف! ماذا يعني كل هذا! أكان لا يرى؟ أكان يعتمد على سمعه!؟ ولكن كيف؟التمهيدي؟ أمه!؟
تُقاطعني الأم بسيل تساؤلاتها هي الأخرى، لكنه يدرس ويكتب! وينظر للتلفاز، تحلف أنه يعرف المكيف ويعرف الباب ويعرفها ويعرف كل شيء، تحلف وتكرر بين دموعها أنه يعرف كل شيء.
متكئة عالجدار أنا، أنظر لوردتي الحمراء أضغط عيني، فأراها بقعة، أوسع نظري، فأراها وردة.. وأعرف أن أفرّق أي النظرتين أجمل.
“كان عايش في غمامة” قالها دكتور محمود للأم
أكدّ لها أنه يُصدّقها وأن لا صدق كصدق الأم، ولولا نباهتها لعاش مدة أطول بهذا الشكل، تأكدنا بعد الخوض في التفاصيل أن خطّه في الكتابة كان كبيرًا جدًا، أمّا المدرسة فلم ينتبهوا حيث أن الدروس لا تُعطى في سبورة. كان يعيش في غمامة . وُلد هكذا واعتاد على ذلك.
طريقة مشيه وعدم اتزّانه ليس بلاهة أو مرض أو متلازمة كما اعتقدتها، هو فقط كما أخبرني دكتور محمود “البصر ٨٠٪‏ من الإدراك” إن فقدت جزءًا منه، فإدراكك سيرتبك، وهذا تفسير الأعمى في حركة رأسه العشوائية، هو يعتمد على سمعه يمينًا وشمالًا ، فهل رأيت أبكم يحرك رأسه كما يحركه الأعمى؟
أرجع للخلف أكثر وأكثر.. أنظر للوحتي من بعيد، أضغط بعيني مرة أخرى وأفتحها، أفعلها مرارًا وتكرارًا .. بقعة فوردة، وردة فبقعة.
أتذكر ابتسامة محمد ودموع الأم، وكلمة الختام لدكتور محمود في تهدئة روع الأم “سيضطر أن يلبس النظارة لفترة حتى نقرر له وقت للعملية، حالته سهلة وكانت ستكون أصعب إن تأخرتي، شكرًا لكِ يا مُنقذة”
أوسّع نظري وأستمتع بلوحتي، ألتفت في كل الجهات، أضحك كالمجنونة للرسمات والألوان.. للجمال ذاك كله.
محمد الصغير لم يقبل أن نأخذ منه النظارة، صرخ وبكى، حتى أقنعناه أنها خاصة للعيادة وسنفصّل له واحدة وستأتي له قريبًا ..
تركها ورجع للعيش في الغمامة، لفترةٍ على الأقل..
الآن هو علِم أن هنالك نظرتان، وتيقّن أيّ النظرتين أجمل .

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

One thought on “وردة، كان من الممكن أن تكون مجرّد بقعة.”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s