‏”يُضرْنِي بقلبي”

“يُضِرني بقلبي” علّقت المرأة الخمسينية باستياء بينما كانت تمر من أمامي،حيث كنت أتحدّث لبائع المناديل الصغير الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره،كنت أسأله عن عمره وإن كان يدرس أم لا وإن كانوا والديه قريبين.
فقد شاهدت الكثير من هؤلاء، لكن هذا العُمر!؟صغير جدًا ..حد التساؤل والشك.
 ‏قبّلتُ الصغير لعلّي أنسى ملابسه البالية وقدمه الحافية و وجهه الذي علّم عليه الفقر بما يكفي لتعلم أنه يسكُنُه منذ فترة ليست بقصيرة،التفتُ على هذه السيدة المغربية التي ارتبطت قلوبنا سويًا في حزننا على هذا الصبي، وتلاحمت أرواحنا لمواسات بعضنا بعد هذا المنظر البائس،سحبت نفسها لي
‏فشرعت بالكلام بدون استئذان،أو أن إذنها كان بين إشارات القبول في لُغتَيْ عيني وجسدي وترحيبي الحار فيهما.
“هذا سن يحتاج رقابة!”
قالتها بتعابير يملؤها البؤس،جلست بجانبي وأخرجت دفترًا محمّلًا بالصور..
ومن هُنا بدأت حكايتها..
“أول فنّانة في المغرب”،كما يقول أهلها.
أول “مهرّج” بلهجتنا.
1.jpg
‎ ‏”لما أقول -أوّل- أنا صادقة، أنا حِييت عيد ميلاد الملك محمد السادس الآن، وقتها كان ولي عهد في عام ٩٤ وهو صغير جدًا وعندي صورة أضمّه، هذي الوظيفة علمتني كثير وورتني كثير”
فهمت لماذا امتلأ قلبها بكل ذلك الحزن لذلك الصبي، عملها أن تُسعدهم!
حزنت لحزنها فوق ألمي..
‏”ماما سلطانة”عرّفت بنفسها،ولم أفهم لماذا “ماما”حتى أشارت بإصبعها على الصورة “هذولا أطفالي،قلبي وروحي”
وجاءت أجوبتها بعد تساؤلي عن مقصدها كقذائف ضُربت على روحي فأيقظت حربًا دامية بداخلها!          أين أنا من كل هذا الخير الذي تفعله!؟
 “جمعية ماما سلطانة للأطفال المُهملين والمتخلى عنهم”
‎ ‏كان لدي الكثير من التساؤلات لأفهم طبيعة عملها الخيري هذا،أجابت علي بكرم كعادة أهل المغرب.
ذلك الدفتر عنى لي الكثير فاستأذنتها بتصوير أغلبه ونشره ولم تمانع،أقسم لكم أني لم أستطع تركه أو تركها حتى ساعة متأخرة من بعد الشروق.
“هذول دفنتهم بإيدي والله،بهاليدين”-ترفع يديها لي بحُرقة-
DfiXMYDXUAEVs3s.jpg
 ‏لم أكن أستطع لأرد عليها في نفس الوقت، فالمشاعر مع كل صفحة تتقلب بين الفخر والحزن..لخبطة.
تقول أنها إجهاضات مُتعمدة، وعندما قلت “اخ يالحرام، ضحاياه هؤلاء”
فاجأتني “تصدقي مو كلهم، الأغلب هم ضحايا الحرام” لم أفهم مقصدها حتى قالت أنها أسست برنامج وثائقي وأسمته”ظروف دعتنا للجريمة”
 ‏فهؤلاء النسوة من أحياء فقيرة، وبسبب الفقر والضعف،يُغتصبون، ويبقى”ظرفهم”هو المسبب الوحيد أما المجرم الحقيقي فهو غير معروف و طليق.
غرّدت هذه السلطانة”نلومهم لإجهاضاتهم أم لا ،لا نعلم، لكن من هذا المنطلق عرفت الحل،كيف أنقذ هالأطفال؟
ابدأ من الوالدين”
ومن هنا بدأت فكرتها العبقرية..
3.jpg
 ‏من عام ٢٠١٤ امتلكت بحُر مالها شقة صغيرة، وصارت تجري للأحياء الفقيرة، فإن كانت لا تستطيع إنقاذهم مما حصل،فهي قد تحميهم من القادم،صارت تأخذ كل الحوامل “مُغتصبات أو مُتخلى عنهم”لهذه الشقة،تهتم بهم من كل النواحي،غذاء،مواعيد مستشفى،وحتى الدعم النفسي..
إلى الولادة فالحضانة فالتربية.
تقول حتى الرضاعة علمتهم”إلّا الأُم ما تعوّض”
كانت تمسك بأيادي الضعيفات فتُنقذ روحان!
لم تتوقف هُنا..
كانت دائمًا تبحث عن حلول أُخرى، بل و مُثلى..
فقد زوجت أحد هؤلاء النسوة لرجل طيب، فجمعت رأسين بالحلال و أنقذت الروحين بطريقة مثالية. وتأمل بأن تُزوج الأُخريات..
7.jpg
‏تقول أنها أيضًا أقنعت أحدهم بأن لا يتخلّى عن حبيبته الحامل بعد أن جاءت لها تشكي، ذهبت له بنفسها، وجلبته لجمعيتها وأخذته في جولة على الأطفال المُتخلى عنهم حيث وجدتهم بالشارع نائمين في يوم..
تقول أنه سقط عالأرض باكيًا تائبًا،وتزوج الفتاة في اليوم الآخر.
يااه كم أغبطك يا سلطانة..
DfiXRcUXUAAw1e-.jpg
 ‏اليوم جمعيتها -شقتها-الصغيرة، تحمل ٣ أمهات بأطفالهم الثلاث،و ١٦ طفلًا آخرين، أكبرهم بعمر الخمس سنوات تقريبًا،وهو أول طفلٍ وُلد في هذه الجمعية منذ ٢٠١٤.
تفتح تسجيل صوتي-لطفلها هذا يقول لها توحشناكِ بزّاف-
كانت تحمل في وجهها تعابير أُم أغدقها الله بحنان أمهات الأرض كلها.
 ‏كل ما يُصرف على الأطفال من غذاء، تعليم، وصحة، بمالها -على العلم أنها متوسطة الدخل-
وحتى التعليم حرصت أن يكون خاص”أخاف يُختطفون”
يساعدها أهل الخير لكنها لا تطلبهم أبدًا!
تقول الله يرزقني فهو أعلم بنيتي!
عندما أرتني شهاداتها ومقابلاتها مع شخصيات إعلامية كبيرة و حتى وزراء وغيرهم
قُلت لها: “سلطانة أنتِ تنقذي أبناء بلدك! لا بأس لو ساعدك بلدك فيهم! اطلبي!”
ردت بخيبة:” يساوموني يا أفنان، يساوموني..خذي ١٠٠ مليون وأعطينا هذا الطفل أبو عيون زرقا..هذا الأشقر..هذول كبدي هذول روحي..أنا ما أبيعهم!!”
قالتها بحرقة تعرف فيها أنهم لن يكونوا بخير لو أُخذوا..
‏ثم أردفت بإيمان ويقين :”لكن والله يا بنتي ربي ما يضيّع، يشوف نيتي فيرسل لي الناس ويسخرهم..شفتي هذا الشاب، عامل كهرباء أرسلوه لي ليقطع الكهرباء عالشقة، الفاتورة تراكمت وما قدرت أسددها، جلس يبكي يقول “ما أقدر أقطعها ما أقدر!” جلّسته وشكرته بس قلت له أخاف عليك يا ولدي يفصلونك..
 ‏DfiXVv8X0AA7Qk9.jpg
أخاف يفصلونك فاقطعها وتوكّل،وبعدها قطعها وخرج وهو يبكي من الجمعية”
تقول لي أهل الخير من الجيرة مدّوا لها الكهرباء إلى أن يأتيها الرزق وتسدد.
وفي اليوم التالي جاء الشاب نفسه مع أصحابه الشباب والشابات بعطاياهم المادية والمعنوية اللا مُنتهية،ولم تكن زيارتهم الوحيدة منذ ذلك اليوم..
DfiXWxDX4AEYRpm.jpg
‎‎‎‎
‏الخير تعدّاها،فعَدَت جميع من حولها
حتّى أنا لم أكن لأبقى بلا حراك بتلك الطاقة التي حملتها.
مرّ الطفل من أمامنا في منتصف كومة المشاعر هذه،فالتفتُ إليها ..
قلبي بيُضرني والله”قالتها مجددًا
فسألتها”وش الحل طيب!؟”
قالت”نبدأ بالوالدين، زي دايم”
أخذت نفسي ويدها معي،نبحث عن والدته
 ‏وجدناها فجلسنا معها وبدأتُ بالحديث:
“أنا أفنان وهذي سلطانة، وجينا لسبب واحد، قلبنا عوّرنا على ابنك..ومتأكدين قلوبنا مو أحن عليه منّك، لكن يبدو ظرفك قاهر، ومافي لوم عليك، الخطأ فقط أن دخلتيه في هالدوامة معك، عمره جدًا صغير، يتعرض للتحرش للخطف..ما ندري،أرجوك، أي حل آخر..أرجوك”
 ‏أخبرتنا كما كنا متوقعين عن ظروفها القاهرة التي دمعت أعيننا منها، ما أحببته كانت آخر جملة رددتها والتي أشعرتنا أنا وسلطانة بسعادة تجاوزت الظرف حتى بانت في مُحيانا.
“أنا دايم أفكر كذا أخاف يكبر وما ينسى كل هذا. لكن خطف وتحرش!؟والله وعيتوني،الإنسان أحيانًا يكون جاهل،شكرًا”
‏ورُبّ كلمة..
أعطيناها مما أعطانا الله ومما توفر في حقيبتي وتمنينا لو تعدُنا أن لا نراهم مجددًا لو لشهر..
وافقت بكل حُب، تبادلنا القُبل والأدعية ومضى كلًا منّا في طريقه.
اليوم لا أجد الطفل وأشعر بسعادة تغمرني، أتذكر الموقف، وسلطانة والدفتر،وروح الأم المُنكسرة..
و أدعي لكليهما.
 ‏أمّا أنتِ يا سُلطانة، ماما سُلطانة..
أُحبك، في حلّك وترحالك، أُحبّك.
وفقك الله ويسر أمرك وعملك الخيّر وسخّر لك الخلق الطيّب من حولك..
و اللهم وفقنا أجمعين للخير ولنلبس روحًا تُشبه لو ربع روحك المعطاءة..

DfiXZOMW4AAvOoW.jpg

تحيّاتي لك يا امرأة يا عظيمة️❤

Advertisements

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

3 رأي حول “‏”يُضرْنِي بقلبي””

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s