باب ما جاء في الوداع وقسوته..

هل أنا حزينة؟

يراودني شعور بالحيرة والخوف من اللاشعور الذي أحمله الآن..

لكني أشعر أني في حيرة، فهل يُعدّ هذا شعورًا!؟

تساءلت لأني تركت كل شيء جانبًا، كل ما يجب علي فعله..و أخذت لوح الشوكولاتة المُهداة من صديقتي المقربة بعد رجوعها من إيطاليا، شوكولاتة بالحليب من إيطاليا إلى فمي هُنا، في غرفتي، في بيتي وسكني ومدينتي ..

يتوجب عليّ الآن أن أحمل كل هذا وأجمعه سويةً، أحمله على ظهري وأخرج.

تعرف عندما تنتهي من سفرة الأكل وتنتهي من الوجبة أعلاها، تسحب أطراف السفرة لتُغلق على كل ما تبقى من تلك الوجبة اللذيذة، حان وقت الإطباق، الإنتهاء.

وقتها أنت فقط مُتخم، لا تشعر بأي شيء غير ذلك، لا للذة اللقمة الأولى مكانة ولا لإنتعاش المشروب الذي برّد على صدرك وروحك وقتها مكانة..

الآن أنت مُتخم وفقط، وزوايا السفرة يجب أن تُجمع. هذا وفقط.

الإنكار والهروب..

أيًا كان مكان محطتي القادمة، ما أعرفه الآن أني أهرب من فكرة الإنتقال إلى المرحلة القادمة، وأنا التي اعتقدت وقلت وصرّحت كثيرًا أني سريعةُ التأقلم..

لكن يبدو أن المرء يكبُر، تزداد مخاوفه ويُصبح أكثر جبنًا وحساسية تجاه نفسه قبل كل شيء..

أنا آكل الشوكولاتة بدلًا من أن أبكي، هذا ما أصدّق أني أفعله الآن..

كان يجب عليّ أن أحجز تذكرتي لأتحرك، لأحزم أمتعتي بشكل أسرع، لكن ها أنذا..الغد رحلتي، ومن الغد أنا خائفة، خائفة مغادرة مدينتي، بيتي وسكني..وغرفتي.

أُهاتف المحلات عن صناديق فارغة أستطيع أن أجمع فيها كتبي وأغراضي، أُفرّغ الغرفة بالكامل..ومع كل رنّة أتمنى أن يقولوا “لا يوجد”..

فكرت باستهتار أن أسأل أحدهم “هل يوجد صناديق لحزم الذكريات، والمشاعر، والمواقف، وربما الأشخاص وكل الأمور التي أحببتها هُنا!؟”

إنكار وهروب..

كان مخيف جدًا عندما يأتي سُكان جدد، وتشير لهم مسؤولة الإيجارات على غرفتي “أما هذه فكلاس ب، غرفة صغيرة بحمام خاص، تسمحين يا أفنان يشوفونها؟”

كيف يجرؤ الإنسان أن يكون بهذه القسوة؟! يأتون لمكاني بضحكاتهم لأنهم سيحتلونه في الغد..

ها أنا أغدو أكثر شاعرية، في كل مرة آخذ فيها لقمة أخرى من هذه الشوكولاتة الإيطالية..

ومع ذلك كنت أبتسم لهم، حتى أني في الآونة الأخيرة، لم أترك غرفتي مبعثرة، دائمًا أحافظ على نظافتها تحسبًا لأي محتلٍ سيأتي قريبًا ليضحك بوجهي وداخل غرفتي.

غرفتي التي حملتني لسبع سنوات..هذا عُمر، مرحلة، ورحلة كبيرة.

الكتب المتراكمة بعشوائية في مكتبة الكتب الهزيلة، والكتب المبعثرة على كرسي المكتب وتحته وعن يمينه وشماله، حتى ملأها الغبار وأقولها باستحياء..

أحتفظ بالجديد منها فوق المكتب ليسهل علي التهامها متى أردت..

مكتبة الكتب الصغيرة الهزيلة التي اشتريتها وأنا لا أعلم كم سأحب الكُتب، ومكتبي الذي اشتريته وأنا لا أعلم كم سأحب الدراسة في المقاهي والحدائق أو في صالة سكني بين رفاقي أكثر من الإستقرار عليه..

خزانة ملابسي التي اشتريتها وأنا لا أعلم كم سأحب الأزياء لاحقًا، فامتلأ وكاد ينفجر، أو فعل.

مرآتي والرفين الصغيرين تحتها، كنت أعتقد أني لا أحب أن أكدّس مساحيق التجميل وأدوات الزينة ..كنت أعتقد أني شخصٌ آخر، حتى كبُرت في غرفتي وأخبرتني هي من أنا وماذا أحب وكيف أحب أن أكون.

جدار الذكريات المليء بالصور..سأضعها في ألبوم؟ ربما.

غرفتي المكدوسة حتى بهواياتي المُعلّقة، لُـوَحي المتكئة على الجدار و التي أُعجب فيها رسامين في ورشات حضرتها و حضرتني..

و البيانو الرزين مهما كساه الغبار تجده صامدًا شامخًا لا يستسلم مني..

علمتني غرفتي من أنا في الهوايات، شغف مجنون بقلة صبر وإرادة وحيلة.

دائمًا ما تكون النهايات مخيفة، مهما كان القادم الأفضل.

أنا لا أستطيع حتى التفكير في القادم، سمحت لنفسي أن أبكي اليوم، والغد..أو آكل الشوكولاتة.

ماذا عن صحبي هُنا؟ البعض غادرني قبل أن أفعل، سهلّ عليّ مهمة الوداع الشاقة، والبعض سأتركه خلفي، والبعض سيرحل معي..في كل أشكال الوداع أعيش، وماذا فعلت من أجل هذا الوداع؟ كما يفعل البالغين المملين تمامًا..لا شيء.

سأحزم أمتعتي، يمارسون هم يومهم، سأصنع القهوة وسنجتمع في صالتنا كما نفعل عادةً والتلفاز على أحد قنوات الموسيقى العربية التي نُفضلّها، سأُخرج الرُطب وأتباهى به عليهم مثل كل مرة “من منزلنا، من نخل بيتنا، سِقاية أمي”

سنضحك سنشرب ونأكل، حتى ينام أحدنا في الصالة بالخطأ وتستأذن الأُخرى للذهاب للنوم.. وأرحل أنا.

وهكذا تنتهي رحلتنا سويةً، في أقل من دقيقة تكمُن النهاية.

كنت أفكر بعدد الأشخاص الذين عرفتهم ..وكم شخص أحببت في هذه المدينة..

من جامعتي حتى النوادي والورشات وكل الفرص المجنونة التي جعلتني أخرج وأتعرف وأتحدث مع الكثير..

كيف نستطيع أن نبحث عن الجميع؟ لأضعهم بين ذراعي، لأحتضنهم وأخبرهم كم ممتنة، و كم خلقوا فارقًا فيّ..

المستقبل مجهول..وهذا ما جعل حياتي أكثر إثارة الآن..

الإنسان أضعف مما يتخيل عندما يأتي الموضوع للوداع، لكن قد تكمن قوتنا في أضعف لحظاتنا..

لحظة ضعفي و قلة حيلتي تجاه مسارات الحياة الشاقة والممتعة، أُهديها لنفسي، في بداية المرحلة الجديدة.

أما الآن، سأبكي، سأُنهي لوح الشوكولاتة بالكامل.

أفنان

١٣ أغسطس/٢٠١٨

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s