بعضٌ من فوضى الداخل..

كان نومًا عميقًا أشبه بميتةٍ كُبرى، خفت منه ومما خلّف من أفكار ومشاعر عبر وسيلته المفضلّة، الكوابيس..
حملت كل هذا معي وبسرعة اتجهت لأخذ حمامٍ سريع لا يُحملّني أفكارًا أكثر مما حمِلت..
خرجت مُسرعة لأقرب محطة، يمازحني سائق الحافلة متسائلًا “من مَن تهربين؟”
من نفسي ربما؟ لو قال لي من ماذا أهرب كنت سأستطيع الإجابة بشكل أسهل وبصورة لا تجعلني من جماعة الفتيات السوداويات اللاتي لا أُطيقهم..
كنت سأقول :يا سائق الحافلة، أهرب من مشاعري أفكاري وأحلامي وكل ما حمل دماغي في رفوفه العليا والسفلى، أهرب لمكانٍ واسع وأرضٍ شاسعة، لبحرٍ ربما أو غيمة مثلًا في قمة جبلٍ شاهق..
لا أريد صمت غرفتي، أريد صمتًا كونيًا يُخرس رأسي..
يا سائق الحافلة، أنا بخير، أنا فقط لم أعد أطيق التفكير، وجدت أن العشوائية تناسبني كثيرًا، و وجدت أن الفوضى تروق لي.
رأيتني أكبُرُ بشكلٍ عكسي..
أقصد أيها السائق أني كلما كبُرت صغُرت، تصدّق أني عندما أشتاق أبكي؟ تصدّق أني عندما أشعر بالتعب أركض لحضن أمي..
بمناسبة الحديث عنها، أمي، تقول لي أنه نضوج عاطفي ما أمر به، تسألني أيها السائق ما الذي أمر به؟ لا أعلم.
الأمهات يعرفون أكثر من اللازم.
ما أهرب منه هذا ما أجيد معرفته، ففي وقتٍ مضى وضعت خطة هروب ناجحة في كل مرة أُحاط بأعدائي..
نحن لا نختار الظروف لكننا بالتأكيد نستطيع اختيار طريقة تعاملنا معها، لكن لماذا ما يُغضبني لا يُغضبه، ما يُسعدني لا يُسعدها، وما يخيفني، لا يعني لهم شيء؟
الظروف تجتاحنا لوحدنا، فظرفي الآن لا يعني أي شخصٍ آخر، لأن ما أشعر به يخصني أنا لوحدي..وهذا مُرهق، أن تشعر لوحدك، رغم أنها الحقيقة السوداء العُظمى التي أجيد تلوينها بتفاؤلي الذي يُقرف البعض ويُلهم الكثير..
أنت لوحدك، مهما ظننت غير ذلك، لكن ذلك لا يُهم وليس بالأمر الكبير إلّا إذا أردت اعتباره كذلك.
ترى يا عزيزي السائق، هذا ما أهرب منه، كل هذه الفوضى.
أعرف أنك نادمٌ على السؤال، أو التساؤل..
لكن أرجوك لا تفعل، نحن البشر مخلوقات معقدة يستحيل لك أن ترى من فهم نفسه بالكامل أو على الأقل فهم مماذا يعاني ..
أنا على الأقل أحاول أن أفعل، ولو على حسابك..
تعرف يا سيّدي، التعقيد فطري أنا متأكدة، تبدأ من اللحظة التي يستخدم فيها الطفل عقله وقلبه لتمييز البشر من حولهم وتصرفاتهم..تتكون وتكبر مع العمر هذه العقدة،يختلف شكلها من شخصٍ لآخر..فأصحاب الطبقة المخملية مثلًا شرائطهم من مخمل، فتبدو عقدهم خارجيًا راقية، لكنها تضل عُقدة.
إن كنت أود معرفة أحدهم في جلسة واحدة كنت سأسأله عن أكبر مخاوفه، ومن هنالك تبدأ باكتشاف عقدته المميزة، لونها شكلها، سهلة الخلاص أم مُحكمة..
أيها السائق، قد أكون مهووسة بمعرفة البشر ،لا أعلم..
أنا أعلم أنه لا يجب علي معرفة كل شيء، والتساؤل روح الحياة، لكن الإجابات حجرٌ لبناءِ ملجأ في جوٍ شديد البرودة..
هل تفكرت يومًا لماذا نملك القرار عند موافقتنا للعبور في دواخل ذلك الشخص وبمجرد أن يمتلك قلبنا تحت مسمّى الحب، لا نعود أصحاب قرارٍ مجددًا، نحن مملوكين ومحكومين بالتخبط والبعثرة بين سعادة وشقاء، أنت لا تملك القرار أبدًا..
إذًا ما السر وراء هذا الحب؟ أهي حاجة الإنسان أن لا يكون سيّد نفسه لمرة؟ متعب أن تكون كل شيء لنفسك دائمًا، صحيح؟
أعرف أنك مشتت الآن، لكن هذا بالضبط ما يحدث هناك، في أحد رفوف عقلي ..
تعرف أيها السائق، أغبطك، في كل يوم ترى كثير من الوجوه والمحادثات و المواقف..
تستطيع أن تنظر للعالم حيث أنت وعلى مدار الساعة..
في كل مرة أجلس في مقهى أو حديقة لأتعلم من وجوههم، سويعات وكلٌ يذهب لمنزله، برمجة ..
وإلّا من زعم أن الليل خطير!؟ ربما وصّانا الله أن يكون للنوم، لكن هذا لا يعني أنه خطير! نحن من صنعنا منه خطيرًا وفتحنا المجال لكل المجرمين التجوّل بحريةٍ فيه.. فكّر معي! في زمن الكهرباء والإضاءات بكل أشكالها، لماذا لا زال الليل يشكل خطرًا!؟
أحب الليل وأشعر أنها إهانة له في كل مرة يختفون بمجرد أن يحّل..
ولذلك أغبطك، تراهم دائمًا، البشر..
قلت لك، يبدو أني مهووسة بهم..
تعرف أيها السائق، لدي تلك القناعة البسيطة التي تقول أن البشر عبارة عن كتلة من الوراثات والمورّثات، والعالم متشابك بطريقة أو بأخرى، فأبونا آدم وأمنا حواء.
فمن أنا، سأجده في ذاك وتلك وأولئك..
بالتأكيد أنت لا تستطيع الحفر في داخلك، يجب أن تحفر فيهم لتظهر مرآة مسطحة ترى نفسك من خلالها..
وكل ما حفرت أعمق ظَهرْتَ لنفسك بصورة أكبر..
كما يحدث في الحُب، أنت ترى نفسك بصورة كبيرة جدًا لأنك في كل ساعة ودقيقة تحفر في الآخر حبًا وشغفًا وشقاءً ربما..
شقاءً ربما، نحب أن نحزن أحيانًا بقدر حبنا للفرح..تتفق؟
أيها السائق، النفس خلقٌ معقد ولذلك عندما نموت يأخذنا الله إليه في الأعلى..ليست بالشيء السهل!
إن كنت سأود شيئًا الآن كنت سأود أن أقابل شخصًا لم يعش يومًا بين البشر، طرزان ماوكلي..بغض النظر عن شخصياتهم في أفلام الكرتون، أريد حقًا أن أجلس معهم وأرى كيف هي أنفسهم؟
هل يوجد الكثير من الفراغ بالداخل؟
كيف يبدو الداخل على أية حال؟
أعتقد أنه يكفينا أن نعرف ما يُسعدنا وما يفعل العكس، نعيش في البحث عن الأول والعيش فيه وتفادي الآخر..
ولذلك الحياة رحلة..لا تنتهي
والأشياء الغير منتهية مثيرة للجدل ..
أيها السائق..
لدي الكثير لأعبّر عنه وأكثر لأسأل عنه
فأنا أسكن بداخلي كثيرًا وأستمتع بصحبتي أحيانًا وأحتاج لها في أغلب الأوقات..توقع مني الهروب مني أيضًا..
عمومًا يا صديقي السائق..
الوقت يمضي و المحطة القادمة اقتربت..

أنا :ها قد توقف الباص ، فأحب أن أشكرك فعلًا
السائق: تشكريني على ماذا؟
أنا: على إنصاتك بالطبع!
السائق: إنصاتي لماذا؟ لم تقولي شيئًا يا آنسة، لا عليك،ستخبريني المرة القادمة ممن تهربين.

تمت.

١٤ سبتمبر، ٢٠١٨.

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s