(تحليق)

-“أهذه السماء؟ تلك سحابة أم غيمة؟ أين أنا؟ من أنتِ!؟”

-“أنا هنا لأساعدك”

أنا أطير، جسمي يطفو في سماءٍ واسعة، لا أرى بدايتها أو حتى نهايتها، لا حدود لها، التفتُّ كثيرًا، حتى تشبثت في ذراعي كائنة، تُشبه لعبة صغيرة من السوق الصيني، جميلة ولطيفة وبشعرٍ طويلٍ منساب تلبس عباءةً بيضاء، كصورة ملاك في لوحة زيتية في معرضٍ عتيق ، كانت تغني بلغة صينية على الأغلب، ذلك النوع من الغناء الذي يجعلك تتساءل إن كنت في حياةٍ أُخرى..

تأملت وجهها وهي تتشبث في ذراعي وكأنما توجهني على التحليق بطريقةٍ صحيحة..

كانت تغني وبسلاسة تمسك كتفي الأيمن، تضغط بقوة وتنساب يدها مسحًا على ذراعي حتى أطراف أصابعي..

شعرتُ أن شيئًا ما يخرُج مني، لم أفكر أن أسألها ماذا تفعل، فغناؤها كان يُدهشني ولم أُرد لهذا السحر أن يتوقف ولو لوهلة..

لازُلنا نطير للأعلى،تُغني وتسحب ذراعي الآخر من مقدمة كتفي حتى أصابعي، هنالك شيءٌ يزول..لا أعلم ماهو..

سحبت رقبتي بقوة للأعلى واعتقدتها تُجهّز روحي للخروج..

تحدثتُ ولم أتوقع منها الإجابة، أو لم أعطها فرصة لتفعل

“لماذا نحن هكذا؟..في كل مرة نكبر فيها نؤمن أكثر أن الأمور السيئة لا تحدث لنا، تحدث لغيرنا فقط، فيصدمنا واقع الحياة، يصدمنا سقف توقعاتنا الهزيل مع وقع المطر الغزير

….”

أكملت غناؤها بدون أن يرف لها جفن، شعرت بغبائي،

تفكيري المبالغ فيه و المتسارع مقارنة مع صفاء وهدوء صوتها، و عقلها، إن كانت تملك واحدًا..

شعرت أننا في منافسة، و كان يجب علي أن أفوز..

هدوؤها استفزني فأردت أن أحطّم اتزانها “قلتي أنك هنا لتساعديني ، أنتِ لا تفعلين”

هويت للأسفل فجأةً و بقوة، شعرت بالخوف، لا أراها، السحاب من حولي يتبدد ولونٌ أسود يحيط بي، تتشكل أشياءٌ كُثر من حولي،أرى سرير، أرى باب..أغلقت عيني بقوة، خفت إلى أين سأصل، أين سأكون، حتمًا أنا لا أعرف أين أنا لكنه مكانٌ مسالمٌ وتلك الكائنة تُشعرني بالأمان بشكلٍ أو بآخر..

أغلقت عيني بقوة، ورجوت..رجوت أن لا أسقط..

جاءتني ضربة في أسفل ظهري..فطفوت وسط سقوطي، كانت ضربة لا تؤلم ، فقط أسمعها وأشعر بها..

ما يُهم أن صوتها، غناؤها، قد عاد، رجِعت.

أمسكتْ بكتفيني وطارت بي إلى الأعلى، أشحت بنظري بعد أن أطلت النظر لوجهها لأتأمله، أتأمل وجودها، مُغلقة عيناها طوال الوقت..

“آسفة، لم أعني ذلك حقًا، لا أعرف أين أنا ومن أنت، لكني أشعر أنك تساعدينني حقًا”

أكملت غناؤها، فبَكيتُ، بكيتُ كثيرًا ولم أعرف لماذا..

أهو صوتها؟ أم ضغطها على كتفيني حتى أصابع يداي، كانت تُخرج دموعي بطريقتها، كانت دموعي مع تحليقي تسقط مطرًا على من تحتي، هكذا كنت أتخيلها..

صرت أحاول النظر إلى الأسفل لكن كل ما أراه سحابًا باردًا منعشًا وقد يكون مخيفًا ..

نظرت لها مرة أُخرى وهي تغني بعينين مغلقتين..

بكيت وبكيت، صمتُّ قليلًا.. أو أكثر بقليل، حُبس دمعي بداخلي فصرخت بقوة..

زادت حدة غناؤها وكأنما كانت تؤنبني على صوتي العالي، صرخت مجددًا، وقد كانت حركة تلقائية، ذكاءٌ سمعي كما يُقال، رفعت غناؤها أكثر، فصرخت أقوى، ثم رفعت فرفعت، شعرت بصداع من الضجيج الحاصل

“توقفي!!” أمرتها بالتوقف

وفي لحظة، هويت مجددًا إلى قاع السماء الغير معروف وتبددت السحاب إلى كل الصور التي أعرفها في هذه الحياة، كأني رأيت أمي، أختي، نافذتي؟ هل أرى حياتي أم ماذا؟

خفت مجددًا من المجهول وأردت البقاء وإن صعُب عليّ مجاراة تلك الدمية، كنت أهوي بسرعة حتى أن شعري كان يطير للأعلى ووقتها كنت أفكر بتجربتي في السقوط الحر من الطائرة قبل عامين أو أكثر، الأمر شبيهٌ بهذا الشعور، شعور الحرية المطلقة، أُبحر في سماءٍ خلقها الله ولم يمسسها بشر..

تبددت السحب من أمامي وأنا أهوي، رأيت بابٌ يُفتح ويُغلق يُفتح ويُغلق، ارتعت كثيرًا، لا أستطيع، لا أستطيع..

أغلقت عيناي بقوة “آسفة، آسفة حقًا، فرصة أخرى، فرصة أخيرة” عقدت يداي ببعضهم لآنس وحشتي في تلك اللحظة المريبة..

ضربة قوية مجددًا من أسفل قدماي، لا تؤلم، ذلك النوع من الصفعات الذي يعلمك أنك اجتزت..اجتزت أمرًا ما.

طفوت مجددًا بهدوء..

الكائنة مجددًا، تمسك بقدماي وتحلق بي للأعلى..بصوتها ونغمها..

بكيت بهدوء مُحاولةً أن لا أكسر لحنها ولا ألوّثه..

كانت تضغط على قدماي من كعبيها حتى أطراف الأصابع،

توقفت عن غنائها فجأةً..

توقفت من بعدها عن البكاء وحاولت أن أسمعها ..

لم تقل شيئًا واكتفت بالصمت..

أنا مستلقية في السماء وأطير للأعلى

صوت الهواء و دفع الهواء من أثر التحليق عالٍ جدًا ولا أعرف أي درجة صوتٍ ملكت تلك الصغيرة حتى استطاعت أن تخفي كل هذه الأصوات مسبقًا..

أشعر بأناملها الرقيقة على أطراف أصابعي..أشعر بالبرودة في صدري..

الهواء، السحاب، الغيم..يدخلون في عيني ، فمي، مساماتي كلها ..

كنت أحدّق في الأعلى، لا شيء غير السحاب..

حدقت كثيرًا ..واعتدت هذا الصوت، كنت أريد أن أعيش فيه أطول وقت ممكن..حتى ضغطتْ على أصابعي بقوة، فصرخت من الألم والصدمة “لااا!”

غضبتُ من تدخلّها في لحظة اعتقدت فيها أني نجحت..

شرَعتْ بالغناء ثم طارت إلى مقدمة رأسي..

صمتّ قليلًا وأنا أكبح غضبي واستيائي..لا أريد السقوط مجددًا ولن أجازف بفرصتي الأخيرة، أريد البقاء هُنا، أطول مدة ممكنة، فالله وحده يعلم أين سأكون بعد هذا..

أخذت برأسي وكأنما كان كرةً يُلعبُ بها، وأسرعت بي إلى الأعلى..

سرعة الهواء المعاكسة كانت تخنقني، حاولت الفلات من قبضتيها إلّا أنها كانت تغني بنفس الرقة والبطء، لكن تطير بشكلٍ أسرع..

اختنقت، كنت أفكر وقتها، هل تريد لي الموت!؟

أحاول الفرار مرة، واستسلم مرة أخرى..

توقفتْ فجأة، صفعة أخرى من القوة المعاكسة، و هذه المرة على رقبتي من الخلف، صفعة حياة.

أخذت نفسًا متقطعًا، بينما كانت هي تغني وتمسح على رأسي..

نظرت لها وأنا أرتعش، مغمضةً عيناها وبصوتها ويداها تمسح بقوة على رأسي وجبيني ..

هدأتُ قليلًا..بكيتُ مجددًا، ذلك البكاء الذي تشعر معه أنك تتحدث، كنت أقول لها فيه كم أخافتني كم شعرت بالخيانة كم رأيت أني مخطئة كم ارتحت الآن كم سعيدةٌ أنا..

هدأتْ، كثيرًا ..

نظرت للأعلى وحدقت مطوّلًا، لا أعلم ماذا أعني بمطولًا فلست أكيدة إن كان في ذلك المكان زمنٌ محدد، أم كل ما يحصل لي هو وهم لا يتعدى الجزء من الثانية في عالمنا المزعج..

نظرت للأعلى وأنا لا أفكر في شيء، شربت مطرة وأكلت غيمة ولعقت سحابة و لا أعلم ماذا استنشقت كل ذلك الوقت..

ذلك الهدوء، أنا لا أسمع أحدًا، أنا لا أسمعني..

أنا لا أفكر، أنا لا أعلم بماذا أريد أن أفكر..أنا لا أرى أنه يوجد شيئًا لأفكر به.. أنا حُرّة.

أخاف أن أغلق عيني وينتهي كل هذا..

أنظر لهذه الدمية وأراها تتلاشى “إلى أين!؟”

تُكمل غناؤها وهي تتلون بلون السحاب، لا يبقى منها سوى يديها على رأسي ..أحاول رفع يداي لرأسي، ليديها حتى أمسك بها، أنفذ من خلالها..لا أستطيع..

تتلاشى ببطء، صمتّ قليلًا..

إلى متى سأظل هنا، أنا مستعدة، مستعدة للرحيل معك..

أغلقتُ عيناي، شعرت ببرودة على جبيني علمت أنها تلاشت كليًّا ..ومن بعدها صوتها أخذ يختفي تدريجيًا..حاولت أن أحفظ لحنها، أردده من خلفها وهو يمضي..

أغلقتُ عيناي بقوة، وكأنما كان عقلي سيستجيب أكثر..

اختفت كلّها..ولازلتُ أنا مُعلّقة..

شعرت بالخوف قليلًا، بالوحشة..

فتحت عيناي، ولم أجد شيئًا لأفكر به..

شعرت بالخفة، كنت أطفو بدون مساعدة..

ابتسمت، ولأول مرة منذ بدأت لحظاتي في هذه السماء، ابتسمت.

أنا لي وكلّي لي، هذا ما شعرت به..

السماء تحملني والله يُشاهدني..أنا أطير..

يا للخفة..أنا كلّي متزن، لا أشعر بأطرافي، كأني بالونٌ فُقد ولم يهتم أحدٌ كيف يعيده..يا للراحة..

كنت أصعد أكثر وأكثر، رغبت في الوصول للأعلى، رغبت وبقوة الوصول..لكني لوهلة توقفت عن التحليق..

ثم هويت مجددًا وبقوة، صُدمت، “ماذا؟ لماذا؟”

لا يوجد شيء لأفكر بلماذا أو ماذا وهذا ما أعاقني عن التحليق مجددًا، لم أعرف ماذا أفعل..

أغلقت عيناي و لم أقل شيئًا ..

جاءتني صفعة القوة المعاكسة وهذه المرة في كل جسدي من الأسفل..

توقفت.

نظرت للأعلى..

غنّيت بعينين مغمضتين ما اعتادت أن تغنّي تلك الدمية.. أخذت أصعد بهدوء..

لا رغبةً في الأعلى ولا في الأسفل، أنا أطير، أطير..أُحلق.

و بعد مئة صفعةٍ على الأقل.. استيقظت.

فتحت باب غرفتي وخرجت لغرفة الجلوس حيث أمي وأختي تشربان القهوة..

تتأملان النافذة المطلة على باحتنا الخلفية

“انظري، مطرٌ غزير” تقول أختي وهي تُشير للأرض والشجر بدهشة

جلست بعد أن أخذت فنجالٌ من القهوة العربية الساخنة من يد والدتي، وتأملت معهم “جميل، لا تنسوا أيضًا أن تنظروا للأعلى، للسماء”.