“هو والنبات واحد”

هو والنبات واحد
هذه ليست شتيمة أو جُملة تقال في خِصام، هذا مُصطلح طبّي أهداني إياه أول دكتور عظيم قابلته في مجالي، سوداني الجنسية بعمر تجاوز الخمسين سنة، طويل وعريض ،ببشرة سمراء وشيب يغطي شعره ولحيته الصغيرة المرتبة.
دكتور عبّاس، ما بين ممرات قسم الباطنة يُطلق ابتسامات وضحكات للممرضات وزملاؤه الأطباء، أول يومٍ له بعد إجازته، كله حماسة ونشاط، شخصيته مميّزة جدًا وجذّابة، يُرسل طاقته العالية لمن حواليه، الجميع يحبّونه ترى ذلك بأعينهم، قبل أن يدخل غرفة المريض يرُتب بدلته الرسمية من داخل البالطو، يعتدل في وقفته، يدرّب وجهه على الإبتسام بتحريك عضلات وجهه بطريقة مُضحكة وهو ينظر إلي، أعتقد أنه يريد أن يُسعدني ويغيّر من روتيني الصباحي قليلاً، أضحك مجاملة وقبولًا لمحاولاته الحنونة. يدفع الباب ويدخل إلى غرفة المريض، أتبعه بخطوات حماسية، فيوقفني قليلًا ويلتفت إلي :” ابتسمي! المريض ما يبغى من زيارتنا الصباحية غير هذا” أسعد لفكرته وطريقة تفكيره، لطالما آمنت بذلك سيّدي، أردت أن أقول له هذا، لكن وجهي بدا أنه تحدّث قبلي فبدأ بالإبتسام وبشكل مبالغ فيه، لم أستطع إخفاء سعادتي بحديثه. يتحدّث مع المريض تظنّهُ أخٌ له، عندما قُلت له هذا قال “أقضي وقت معهم أكثر مما أقضي مع أخويا، فايش رايك؟”
قال لي في غرفة أُخرى والضحكات تخرج منها والمريض والمُرافق أسعد مما يكون بعودة عبّاس من إجازته “الطب مهنة إنسانية، والإنسانية لابُد من أن تروّض” سألته كيف للإنسانية أن تُروّض بعد أن خفض صوته وقرب مني و همس:” لا أُخفيك،أنا اليوم بأحسن أحوالي، لكن أيام أكون تعبان ومضغوط فأنسى دوري الإنساني،أنا لازم أروّض نفسي وأنا بأحسن أحوالي، فيصير-كوني إنسان-عادتي بكل الأحوال”بالطبع أحببت ما قال، وجهي قال له ذلك.
مضينا على عجل إلى “الغرفة الكئيبة”عندما أخبرته بما أسميتها بكل براءة، غضِب منّي، قال لي أن طاقتي تصل لهم ويجب أن أحذر مما أقول في الغرفة وفيما أفكّر حتّى. الغرفة هذه تحمل مريض في عمر لا يتجاوز الثلاثون عامًا، ببشرة بيضاء، لباس نظيف، مستلقي على ظهره بالسرير، يغطيه اللحاف إلى نصف صدره، يتنفس بهدوء، وجهه يحمل ابتسامة صغيرة، هو نائم بسلام. صوت القرآن يعلو الغرفة، التفت علي دكتور عبّاس “تحسبيه كأنو حي صحيح؟ ” أفتح عيناي بقوة أنظر له عن كثب وأرجع بنظري لعبّاس “ايش تقصد !؟ مو حي؟”
نظر عبّاس دكتوري الإيجابي المتفائل لوجه المريض بإبتسامه يملؤها الإيمان: “بإذن الله أنه حي، بإذن الله، فوالله إنّه ليُحي العظام وهي رميم”. أكمل حديثه عندما رآني تائهة، فقد كانت معلوماتي الطبية ضئيلة جدًا عن كل شيء آنذاك: ”

هذا والنبات واحد، نسمّي حالته “vegetative state” حالة كالنبات إذا ترجمتيها حرفيًا، فقط يتنفس ويأكل وينمو..” أُقاطعه :”ينمو!!؟”. يرد علي بصبر” نعم، مغذيات تجعله يكبر ويطول، سيصل لعمر يبدآن الشيب والتجاعيد فيه بالظهور، هو روح ما بين أرضٍ وسماء، في جسد لم يكتب له الله أن يُفارق” اقشعر بدني من حديثه .. أخذت أتأمله، أتخيّل والدته تأتي بكل مرة تنظفه ترتبه، تحلق له، تقبّله، تأخذ سجادتها وتدعو له..
أنظر للتلفاز وأتخيّل والده يُمسك بجهاز التحكم بحثًا عن قناة القرآن، يعمل من غرفة ابنه بجهازه المحمول فوق حضنه حتى يتمكن من المكوث معه وقت أطول. أتخيل أفراد الأسرة، الأصحاب من حوله وكلهم أمل..
أنظر للغرفة وخيالي يتوسّع وسرحاني يزداد، كمية البشر داخل الغرفة، ضحكات وحكاوي يطلقونها وكأنه بينهم يسمع ويُشارك..
سنة، فيتقلص العدد إلى عائلته وأصحابه المقربون..
سنتان، تتبقّى عائلته، وتأتي الثالثة، أمه وسجادتها..
يقطع سرحاني دكتور عبّاس قائلًا: “ما سمعتِ عنها قبل؟ شكلك تحسبي لازم أجهزة عشان تصدقي إنه ميّت، ما ألومك يا بنتي.. سبحانك يا الله”. خرجنا من الغرفة وأنا شاردة الذهن، كنت أرجف قليلًا، خائفة من ذاك الميّت الحيّ.. خائفة من أفكاري ، بماذا يحلم؟ هل يشعر أنه ميّت أم فقط نائم؟ تُهت فيها.
تابع عبّاس حديثه قائلًا :”بتشوفين كثير كذا وللأسف شباب، لأن أغلبها حوادث، يتعطل دماغهم لكن تبقى منطقة التحكم بالتنفس موجودة فيعيش كل شيء فيه..نسأل الله السلامة والعافية”
كنت أمشي معه من غرفة لغرفة، لا زال مُبتسمًا ويأمرني أن أفعل المثل، هذه المرة لم أقبل محاولاته ولا حتى حنانه، كنت ساهية و خائفة..استشعر عبّاس فيني كل هذا فتركني وشأني، علِم أنّي لازُلت صغيرة فلم أتعرّف بعد كيف أفصل عاطفتي في عملي بشكل يُبقي تركيزي ولا يُجرّدها من إنسانيتها في آنٍ واحد، أعتقد أنه علِم أن الوقت والأحداث سيجبراني على تعلّم هذا، وهذا بالفعل ما حصل لاحقًا. “الغرفة الجاية بنت شابة جميلة بالعشرينات توها مخطوبة الله يعين أهلها، حادث برضو”. “هي والنبات واحد بعد؟” بخوف أسأل
“ايه،قبل ثلاث أسابيع من الآن، أنعشتها في الطواريء ودخلتها هذه الغرفة، سعيد أنها لا زالت حيّة، حالتها كانت بين الحياة والموت فعلًا..”
يقولها بإعتزاز وامتنان. “أليس الموت أهون عليهم وعلى أحبابهم” أقولها وأنا مترددة إن كنت أعنيها أم لا، غضِب منّي عبّاس كما توقعت وبان على وجهه لكنه لم يُضف شيئًا، فقد علم من وجهي أن وصلت رسالته. دخلنا الغرفة سويًا..
الفتاة العشرينية تعطينا ظهرها جالسةً على طرف السرير بأرجل متدليّة منه، وأخصائية العلاج الطبيعي أمامها تحرك ذراعها الأيمن بشكل دائري، يبتسمان لبعضهما وحديث ودّي غير مسموع بينهم. يترك الملف عبّاس على أقرب طاولة ويركض إلى الجهة المقابلة، ركضة درامية أشعلت جسدي حرارة وقشعريرة، ودموع امتلأت بها عيناي، يواجهها عبّاس بعد أن أصبح خلف الأخصائية، تتقابل أعينهم، الشابة وعبّاس..يصرخ عبّاس بنبرة فرح، نبرة قوية ليست بمرتفعة، لكن حادة جدًا..”ما شاء اللله!!! سارة!! ما شاااء الله” تمتلأ عيناه بالدموع وهو يضحك بشكل هستيري. أطلقت سارة ضحكة يملؤها الحياء، هي لا تعلم من هو ..
“شفتي أفنان! شفتيي؟ يُحيي العظام وهي رميم! يُحيي العظام وهي رميم!” يلتفت عليّ قليلًا وينظر إليها أكثر. عرّف بنفسه، و تحدث معها قليلًا، سعدت كثيرًا أن رأت من أنقذها من الموت بعد الله..
كنت أرى حديث الحُب الحقيقي بين هذان النقيان..
حديثها كان متقطع وبطيء، لسانها ثقيل و حركة وجهها غير طبيعية، وحركة أطرافها كذلك، أصُيبت بعض الأعصاب على ما أعتقد..
ملاحظاتي كانت بعد أن شاركت دكتور عبّاس مكانه وواجهتها.
“لا تيأسي سارة، مع التمارين حيرجع كل شيء بعد مشيئة ربي زي ما كان! واللهِ يا سارة أنا شهدتك بالطواريء، كُنت على فراش الموت، شوفي وين صرتِ يا ماما، شوفي وين صرتي ..” دمعت عيناي وعينا سارة، تلعب بخاتم خطوبتها تضحك وتشكر بحياء، تشكر كثيرًا ولم تتوقف عن ذلك حتى خرجنا من الباب..
وقف في منتصف الممر:”أقول لك الصراحة؟ كنت أقول لك على ذاك الشاب إنه حي وأنا مو مؤمن مرة،أشوفه من سنين على ذا الحال، طبيعي الأمل يتراجع،وهي؟ سارة؟ واللهِ دخلتها العرفة وأنا أقول ما حتكمل..لكن أفنان شهدنا مع بعض حاجة تخلينا نصدق من قلب، وبنفس اليوم..!” كنت أريد للعالم أن يقف، حتى أبكي من شدة التأثر، من قوة الدرس ومن قدرة الله القوية التي فوق كل علم ..
“وما أُوتينا من العلم إلا قليلًا يا بنتي والله ما أُوتينا من العلم إلّا قليلًا..” وكأنه قرأ أفكاري فردّ بآية ألجمتني..
“هذه آية عظيمة دكتور” لم أستطع أن أضيف شيئًا أكثر من هذا.
“الطب اللي آية عظيمة، ما أدري كيف الدكاترة بيوصلوا مرحلة يغتروا بيها ويتكبروا عالخلايق! انت تكبر يعني انت تشوف أكثر! مناظر زي هذي ما تهز فيهم شيء..؟! اللهم أنِر بصيرتنا يا بنتي، محظوظين بهالمهنة بس الواحد لازم يستشعر ويقدّر”. رسائل دكتور عبّاس، ليست بعادية..ممتنة له، فقد أصبح بداخلي عبّاس صغير يخرج متى أردت.

وبعد مرور ٣ سنوات أو أكثر..
في قسم الباطنة أرسلتني الأخصائية لغرفة لم أدخلها سابقًا :”تأكدي من عدم وجود أي شكوى جديدة اسمه العم بندر” دخلت الغرفة بعد أن طرقت الباب “العم بندر؟” لم يستجيب، دخلتها وصوت القرآن يعلوها، اقشعر بدني من هذا الجو، أذكره جيّدًا، الهدوء، صوت المكيّف، والقرآن..
لا يوجد أحد بسرير العم بندر. سادني الفضول أن أجرّ نفسي لزاوية الغرفة إلى ذاك السرير في الزاوية، المُغلق بالستارة..أصدرت صوتًا كاستئذان قبل أن أفتحها..فتحتها..
فوجدت ناصر، ٣٨ عامًا ، حادث سيارة، هو والنبات واحد.
ناصر كان مختلفًا قليلًا، يرمش قليلًا.. طبيًّا هذا جائز، عاطفيًا حرام..
تأملت فيه كثيرًا، استرجعت كل تلك الرسائل، حتى قطع لحظتي العم بندر. ومنذ ذلك اليوم، في كل صباح سواء زرت العم بندر أم لا، أذهب لناصر وأتأكد من إذاعة القرآن، وأخبره أن الله “يحي العظام وهي رميم” ..وأمضي في طريقي. ناصر بات مسؤولية قبل أن يكون روتينًا صباحيًا، أشعر أنه ينتظر هذه الجملة المطمئنة منّي، أشعر بالواجب تجاه الوعد الذي قطعته على نفسي ..مع ناصر. هو والنبات واحد فعلًا، لكن لطالما كُنت صديقة جيّدة للنبات، حتى ظننته حيًّا.
المرضى، أحياء، أو شبه أحياء..الإيمان بقوتهم وبرحمة الله بهم، ستُعيدهم، بإذن الله سُتعيدهم.

نُشرت بواسطة

أفنان

كل ما في الأمر، أنّي حكاية خُلقت من حكايا. ومهمتي أن أقُصها لكم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s